رؤى

“قراءة استراتيجية للأمن الغذائي الإفريقي”

إعداد / رامي زُهدي- خبير الشؤون الإفريقية نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيچية مساعد رئيس حزب الوعي

مبين القمح والسلاح، وحده من يملك الغذاء يملك القرار، ليست مقولة “الأمن الغذائي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي” شعارًا إنشائيًا، بل توصيف دقيق لحقيقة استراتيجية تتجلى بوضوح في القارة الإفريقية، حيث تتداخل تحديات الفقر، والنزاعات، والتغير المناخي، وسوء الإدارة، لتجعل من رغيف الخبز معركة يومية لقرابة 280 مليون إفريقي يعانون من الجوع، وفق بيانات الاتحاد الإفريقي لعام 2024.

واليوم، ونحن أمام مفترق طرق حرج، تصبح معركة الغذاء في إفريقيا معركة بقاء وكرامة وسيادة، بل وربما تكون دون مبالغة المعركة التي سترسم حدود إفريقيا المستقرة من تلك المنهكة.

اقرأ أيضا: رامي زهدي يكتب.. «ما أحوجنا الآن إلى التلاقي لا التنافر»

والأمن الغذائي لا يعني فقط توفر الطعام، بل يشمل الوصول المستدام والكريم لغذاء كافٍ وآمن ومغذٍّ لكل أفراد المجتمع. في السياق الإفريقي، يتجاوز المفهوم الإطعام إلى الاستقلالية والسيادة على الموارد. إذ كيف لدولة أن تتخذ قراراتها باستقلالية، وهي رهينة وارداتها الغذائية؟!

ووفق تقرير FAO لعام 2023، تستورد إفريقيا ما يفوق 54 مليار دولار من الأغذية سنويًا، وتُعتبر 14 دولة إفريقية من بين أكثر 20 دولة عالميًا اعتمادًا على الاستيراد لتأمين غذائها الأساسي.

بينما، ثلث سكان إفريقيا يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، هناك أكثر من 60% من أراضي القارة صالحة للزراعة لكنها غير مستغلة بالكامل.

أما الإنتاجية الزراعية الإفريقية، فهي أقل بنسبة 60% من المتوسط العالمي بسبب ضعف البنية التحتية الريفية،ونقص تقنيات الزراعة الحديثة، وكذلك تدهور شبكات الري، إضافة إلي النزاعات والاضطرابات السياسية.

وبينما تقود دول مثل إثيوبيا ونيجيريا مشاريع طموحة للتوسع الزراعي، فإن الاعتماد على واردات القمح من روسيا وأوكرانيا والذي بلغ في بعض الدول 80% من احتياجاتها جعل الأزمة الروسية الأوكرانية كفيلة بإشعال أزمات غذاء في مدن إفريقية بعيدة جغرافيًا.

وليس ذلك فحسب، ولكن، القارة من أكثر المناطق تضررًا من التغير المناخي، رغم أنها تسهم بأقل من 4% من انبعاثات الكربون عالميًا.

والجفاف والتصحر يهددان أكثر من 45 مليون هكتار من الأراضي الزراعية سنويًا.

وبحلول 2050، سيبلغ سكان إفريقيا 2.5 مليار نسمة،وهذا النمو يتطلب زيادة إنتاج الغذاء بنسبة 70% للحفاظ على مستوى الإمداد الحالي فقط.

أما عن الأزمات السياسية والصراعات المسلحة فحدث ولاحرج، فالنزاعات في السودان، الساحل، والقرن الإفريقي، تسببت في تهجير الملايين وتعطيل الإنتاج الزراعي.

كل هذا بينم لا تزال التجارة البينية الزراعية في إفريقيا لا تتجاوز 13% فقط من مجمل التجارة الإفريقية، وهو رقم يعكس هشاشة شبكات التكامل.

ويجب ان يدرك كل اصحاب القرار في القارة الإفريقية ان الأمن الغذائي هو مدخل قوي لبناء القوة الإفريقية الناعمة والسيادي، وإن تحقيق الأمن الغذائي لا يقتصر على محاربة الجوع فقط، بل هو ركيزة للاستقرار السياسي، وأداة لتقوية الحكومات أمام الضغوط الخارجية، وكذلك محفز رئيسي لخلق الوظائف (القطاع الزراعي يمثل 60% من فرص العمل في إفريقيا)، ويمكننا القول بثقة: من يزرع أرضه، يصنع مستقبله، ويكسر أغلال التبعية.

الطريق إلى الاكتفاء الذاتي ليس يسراََ، لكنه ايضاََ ليس مستحيلاََ، فقط يحتاج رؤية استراتيجية إفريقية شاملة، ربما جزء هام منها يتمثل في تفعيل سريع للمنطقة القارية للتجارة الحرة (AfCFTA) بإزالة الحواجز الجمركية، حيث يمكن تعزيز التبادل الزراعي بين الدول، وضمان تدفق السلع الغذائية بين مصر وإثيوبيا ونيجيريا وغانا، على سبيل المثال، سيخلق سلاسل إمداد قوية ومرنة.

أيضا، العمل علي تشجيع الزراعة الذكية والتكنولوجيا الرقمية، عبر استخدام الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة لتحسين إنتاجية المحاصيل، وإطلاق منصات رقمية لدعم المزارعين في التسويق والتنبؤ بالمناخ.

وكذلك الاستثمار في مشاريع الري والبنية التحتية، حيث أن 95% من الزراعة الإفريقية تعتمد على الأمطار، وهو معدل مرتفع جدًا ومخاطر.

فمشاريع مثل قناة “فيكتوريا-المتوسط” قد تمثل قفزة نوعية في توزيع الموارد المائية.

من المهم ايضا دعم الشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، عبر تقديم حوافز ضريبية للاستثمار في الأمن الغذائي،ودعم التعاونيات الزراعية وتمكين المرأة الريفية التي تمثل 60% من الأيدي العاملة الزراعية.

مصر، أيضا، تمثل نموذج رائد في دعم الأمن الغذائي الإفريقي، حيث تلعب مصر دورًا استراتيجيًا محوريًا في دعم الأمن الغذائي القاري من خلال مشروعات الربط اللوجستي الزراعي في دول حوض النيل والقرن الإفريقي،ودعم المراكز البحثية الزراعية المشتركة، والتوسع في مبادرات “مصر الخضراء في إفريقيا”.

إضافة إلي تدريب آلاف المزارعين الأفارقة على أساليب الزراعة الحديثة في مراكز وزارة الزراعة المصرية.

وقد أظهرت الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية التابعة لوزارة الخارجية المصرية فاعلية واضحة في دعم البنية الزراعية لعدة دول إفريقية، من رواندا إلى بوركينا فاسو.

وما بين التحدي والفرصة، إفريقيا يجب تكتب معادلتها الغذائية السيادية بنفسها، حيث تواجه القارة تحديًا مزدوجًا، كيف تطعم شعبًا يتكاثر سريعًا، في ظل تغيرات مناخية وتضخم عالمي وصراعات محلية، لكنها، في ذات اللحظة، تملك أدوات التحول وهي الأرض، طاقة الشباب، الشراكات والموارد. وهنا، لا بد من تحويل معادلة الأمن الغذائي إلى معادلة سيادة. فلا يمكن الحديث عن إفريقيا القوية أو الموحدة دون قاعدة غذائية صلبة ومستدامة. فالغذاء سلاح السيادة والإرادة، وحين تسقط دولة في العجز الغذائي، لا تسقط فقط اقتصاديًا، بل تصبح أداة في يد الآخرين. وحين تبني إفريقيا قدرتها على إطعام شعوبها، فهي تمارس أعلى درجات الاستقلال السياسي والاستراتيجي.

أمن القارة الغذائي هو مستقبلها السياسي وهو مفتاح البناء الحقيقي لأجيال إفريقية لا تموت من الجوع، بل تصنع الحضارة.

مصادر:

. FAO Food and Agriculture Organization (2023)

The State of Food Security and Nutrition in the World

https://www.fao.org/publications

. African Union Commission (2024)

Africa Agriculture Transformation Scorecard 2024

https://au.int/en/documents/2024-agriculture-transformation-scorecard

. World Bank (2023)

Africa’s Agriculture: Policies and Performance

https://www.worldbank.org/en/topic/agriculture

. IFPRI International Food Policy Research Institute (2024)

Global Food Policy Report: Reimagining Food Systems for Africa

https://www.ifpri.org/publication/global-food-policy-report-2024

. African Development Bank (AfDB) (2023)

Feeding Africa: Strategy for Agricultural Transformation 20162025

https://www.afdb.org/en/topics-and-sectors/initiatives-partnerships/feed-africa

. United Nations Economic Commission for Africa (UNECA) (2022)

Strategic Approaches to Food Security in Africa

https://www.uneca.org

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى