رؤى

رامي زهدي يكتب.. «ما أحوجنا الآن إلى التلاقي لا التنافر»

"دعوة للوحدة بين السنة والشيعة في وجه العدو المشترك"

الكاتب سياسي مصري وخبير في الشأن الإقليمي والأفريقي

تمر منطقتنا بلحظة تاريخية فارقة، لحظة تُحتم علينا أن نُعيد ترتيب أولوياتنا، ونستعيد بوصلتنا نحو المسار الصحيح، بعيدًا عن صراعات الماضي التي استُنزفت فيها طاقات الشعوب، وانشغلت بها الأمة عن معاركها الكبرى.

في وقت تشتعل فيه النيران بين إسرائيل وإيران، ويزداد منسوب الغليان في الإقليم، ليس من الحكمة أن نظل أسرى الاصطفافات المذهبية والانقسامات العقائدية، بينما العدو الحقيقي لا يفرّق بين سني وشيعي، بين مسلم ومسيحي، بين عربي وفارسي. العدو الصهيوني، بمشروعه الاستيطاني التوسعي، لا يرى فينا إلا جغرافيا يجب تفكيكها، وثروات يجب نهبها، وشعوبًا يجب إخضاعها.

الخلافات المذهبية هي بمثابة نيران صديقة تنهش الجسد الواحد، فمنذ قرون، كان الصراع بين السنة والشيعة جزءًا من حراك التاريخ، لكنه لم يكن يومًا ما ضرورة قدرية أو أمرًا لا فكاك منه. كثيرٌ من هذه الخلافات ليست في أصول الدين، بل في فروعه، وكم من دماء سُفكت بسبب تأويلات سياسية صيغت على أنها فتاوى دينية. في المقابل، هناك أضعاف أضعاف هذه الخلافات من نقاط الاتفاق، التوحيد، النبوة، المعاد، حب آل البيت، تمجيد الصحابة، احترام القرآن، التوجّه للقبلة ذاتها، وصوم رمضان، وسائر أركان الإسلام.

أليس من الحكمة أن نبدأ من هنا؟ من المساحات الرحبة الواسعة المشتركة، بدلًا من الغرق في مستنقعات الفُرقة التي لم تزدنا إلا ضعفًا؟

لنتحرك جميعاََ فرادي وجماعات، دول وشعوب نحو فهم جديد للهُوية.. جغرافيا التلاقي بدلًا من قومية التفاضل، لقد آن الأوان أن ننظر لهويتنا لا من منظور قومي ضيق، بل من منظور جغرافي جامع. لسنا فقط “عربًا” أو “فرسًا” أو “تركمانًا”، ولسنا فقط “سنة” أو “شيعة” أو “علويين” أو “إسماعيليين”، أو “أقباطًا” أو “موارنة” أو “أرثوذكس”، بل نحن أبناء هذه الأرض، هذه المنطقة، التي تمتد من نهر النيل إلى الفرات، ومن جبال طوروس إلى بحر العرب.

إن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا: اللغة في كثير من الأحيان، الدين، التاريخ، الثقافة، الأعداء المشتركين، الآمال، الآلام، والفقر، والنزوح، والنضال من أجل الحرية والكرامة.

ما الذي يجعلنا نتحرك تحت رايات عرقية أو مذهبية بينما يُقصف الأطفال في غزة، وتُغتال العقول في بغداد، وتُغتصب النساء في السودان، ويُذبح الناس على الهوية في سوريا واليمن ولبنان وليبيا؟ أليس الأجدر بنا أن نعيد تعريف “عدونا” الحقيقي و”صديقنا” الحقيقي؟

ولأن مواجهة المشروع الصهيوني لا تكون إلا بوحدة الجبهة الداخلية، لقد أثبتت العقود الماضية أن إسرائيل لا تنشط إلا حين تنكفئ شعوب المنطقة على صراعاتها الداخلية. كلما تصاعدت لغة التخوين المذهبي، كلما تمددت إسرائيل أكثر. كلما احترق اليمني باليمني، والسوري بالسوري، والعراقي بالعراقي والليبي بالليبي، كلما صُدرت الأسلحة، وصمت العالم، وتحوّلت القضية الفلسطينية إلى خبر عابر في النشرات.

في المقابل، كلما اقترب السني من الشيعي، ووقف المسلم بجانب المسيحي، وأمسك العربي بيد الفارسي والكردي وغير ذلك، كلما تراجعت إسرائيل إلى الخلف، واضطربت حساباتها، وخشي جنرالاتها من الغد.

وعبر نماذج مضيئة، تلتقي المذاهب تحت راية الإنسان, ففي لحظات كثيرة، تجاوزنا هذه الفُرقة. رأينا المقاومة اللبنانية، وهي تضم في صفوفها سنّة وشيعة ومسيحيين. رأينا ثوار العراق في انتفاضتهم المدنية وهم يهتفون ضد الطائفية. رأينا العلماء من الجانبين يوقعون على وثائق وحدة ومراجعات عقلانية تحث على التقارب.

مصر، التي تضم في قلبها الأزهر الشريف منارة الاعتدال كانت دائمًا قبلة للتلاقي، لا للتنافر. الأزهر حين دعا إلى التقريب بين المذاهب لم يكن يهادن، بل كان يدافع عن فكرة أن الأمة لا تبنى إلا على رُكائز العقل، لا خنادق الكراهية.

بل إن “المنظمة العالمية لخريجي الأزهر” باتت اليوم منصة دولية كبرى لبناء الجسور بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، دون تفرقة مذهبية أو طائفية.

لنتحرك نحو أمل جديد في وجه ظلام التشظ، بينما قد يسأل سائل: هل يمكن فعلاً أن نتجاوز قرونًا من الانقسام؟ والجواب: نعم، بل يجب. لأن البديل هو الانتحار الجماعي على أعتاب الحروب بالوكالة، والتبعية لمشاريع خارجية لا تريد لنا أن ننهض.

نحن نمتلك الإرادة والعقول، نمتلك الشعوب المتعطشة للسلام، نمتلك أرضًا واحدةً تجري في عروقها مياه دجلة والفرات والنيل، وتدق قلوبها في القدس وبغداد وصنعاء ودمشق والقاهرة وبيروت.

فلنصنع خطابًا جديدًا، وميثاقًا جديدًا، ومسارًا جديدًا، يقوم على الاعتراف بالاختلاف دون تحويله إلى خلاف، واحترام الخصوصيات المذهبية دون سعي للإلغاء أو الاحتواء.

والعمل الجاد علي مواجهة المشروع الصهيوني كأولوية أولى قبل أي مواجهة داخلية.

وكذلك بناء خطاب إعلامي مشترك قائم على التلاقي، لا الكراهية، وتمكين الشباب من فهم التنوع الديني والمذهبي كثراء، لا تهديد.

نحن اليوم أمام مفترق طرق. إما أن نُعيد تشكيل وعينا الجمعي ونعبر هذا الامتحان الصعب بوحدة وتماسك وتضامن، أو نستسلم لمنطق التفتت ونتحول إلى كيانات رخوة ممزقة، لا قرار لها ولا سيادة.

التاريخ لا يرحم المتخاذلين. والحاضر لا يحتمل أنصاف الحلول. والمستقبل لن يُبنى إلا بأيدينا جميعًا.. سنة وشيعة، عربًا وفرسًا، مسلمين ومسيحيين، متحدين في وجه العدو الحقيقي: الصهيونية، والاحتلال، والإرهاب، والعنصرية، ومشاريع التقسيم.

فلنكن على قدر اللحظة.. ولنعمل لما بعد الحرب، لا للحرب ذاتها.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى