ضرار بالهول الفلاسي يكتب.. التكرار يُعلِّم الحمار

يقول المثل الشعبي: «التكرار يُعلِّم الحمار»، وهو مثل لا يُقال مدحاً في الحمار، ولا ذمّاً في التكرار، بل وصفاً لطبيعة بسيطة في الحياة: أن إعادة الشيء مرة بعد مرة ترسّخه في الذهن والسلوك، حتى عند من لا يملك سرعة البديهة ولا عمق الفهم. فالحمار، عزّكم الله، إن سار في طريق كل يوم عرفه، وإن رُدّد عليه الأمر ألف مرة أدرك المقصود ولو بعد حين. ولذلك يأتي المثل أحياناً ساخراً من أولئك الذين لا يتعلّمون بالفكرة، ولا يستوعبون بالمنطق، ولا تكفيهم الإشارة، بل يحتاجون إلى تكرار طويل مملّ حتى يفهموا ما كان يمكن أن يُفهم من أول مرة. لكن المشكلة الكبرى ليست في الحمار؛ فالحمار على بساطته يتعلّم، بينما بعض السياسات تكرّر الخطأ نفسه، ثم تستغرب أن النتيجة لا تتغيّر.
ومن هنا يطلّ المشهد الإيراني في الخليج العربي كأنه درس شعبي مفتوح، ولكن بطائرات مسيّرة وصواريخ وشعارات أكبر من حجمها. استهداف دول الخليج، والاعتداء على المنشآت الحيوية والمدنية، ليس بطولة ولا دهاءً استراتيجياً، بل مقامرة سياسية وأمنية تكشف مأزقاً لا قوة. فحين تمتد اليد إلى الكويت أو البحرين أو أي دولة خليجية، فهي لا تختبر دولة منفردة، بل تختبر منظومة كاملة تعرف جيداً أن أمنها واحد، وأن المساس بطرف منها هو مساس بالجميع. إيران تظن أن تكرار الاستفزاز يربك الخليج، بينما الحقيقة أن هذا التكرار لا يفعل إلا شيئاً واحداً: يراكم الوعي، ويقوّي الجبهة، ويحوّل الصبر الخليجي من فضيلة دبلوماسية إلى حزم منظم يعرف متى يتكلم ومتى يردع. ومن يراهن على أن الخليج منشغل أو متردد أو خائف، يبدو أنه يقرأ من كتاب قديم أكل عليه الغبار وشرب، وربما يحتاج إلى تحديث بسيط في الذاكرة السياسية.
الحمار، عزّكم الله، يتعلّم بالتكرار؛ يمشي الطريق حتى يحفظه، ويتبع المسار حتى لا يضلّ. أما إيران، فلا يبدو أنها تتعلّم من تكرارها شيئاً، ولا تفهم أن الخليج الذي كان يُظن يوماً أنه يخاف من «البعبع» لم يعد يقيس الأمور بالضجيج، بل بالقدرة والجاهزية والتلاحم. الحزم الخليجي ليس صراخاً، والصبر الخليجي ليس ضعفاً، والتعقل الخليجي ليس دعوة مفتوحة لمن يريد اختبار الحدود. لقد أثبتت الإمارات، ومعها دول الخليج، أن الصلابة لا تحتاج إلى استعراض، وأن القوة الهادئة أشد وقعاً من الخطابات النارية. وإذا كان التكرار لم يعلّم طهران بعد، فإن التلاحم الخليجي قادر على أن يلقّنها الدرس، بل دروساً قاسية في معنى السيادة، والردع، واحترام الجوار. فالخليج اليوم ليس ساحة مباحة، ولا خاصرة رخوة، ولا جمهوراً ينتظر بيانات التهديد. الخليج اليوم جدار واحد؛ من يطرق عليه عبثاً يسمع الصدى، ومن يصطدم به يعرف الفرق بين الحلم والصبر، وبين الحزم الذي يتأخر ليكون أبلغ، لا لأنه غائب. وفي الختام لا يصح إلا الصحيح وهو أن الحمار تعلم وفهم الدرس، وإيران لا تزال في سابع نومه.
•

