مقالات

مدينة ايمن لطفي تهزم الواقع

بقلم دكتورة فينوس فؤاد

نائب رئيس مركز العرب للشؤون الثقافية

أصبح البعض منا يشعر بالغربة داخل مدينته. لم نعد نطمئن إلى أن أى مكان سيظل علي ما هو عليه بعد عدة سنوات، فاصبح الحل أن نستمر فى الحركة، و البحث عن «مكان أفضل»، بينما نحمل داخلنا نفس الضغوط ونفس القلق الجماعى، فالبيت اصبح محاط بالاسوار لتحميه بعد ان كانت اسوار محبة الجيران هي الحصن و محصنا بالاكواد الرقمية للدخول اليهبعد ان كانت الوجوه معروفة و مألوفة من تكرار الزيارات الاسرية، حينما كانت البيوت تعني السكن و تُبنى بالاستقرار والذكريات و التخطيط لغدٍ جديد داخل جدران تحمل تاريخنا و ذكرياتنا و سماتنا و ملامحنا و مشاعرنا ، فالبيوت والمدن مثل البشر، إذا هُجرت حزنت و ماتت كمدا علي فراق من سكنوها و كانوا روحها النابض و من هنا كان انطلاق ايمن لطفي نحو البحث عن الانسان والذكريات داخل منظومة المدن الحديثة التي ابتعدت عن جمال الحياة بتفاصيلها وتفاعلها مع الانسان و اكتفي بجماليات الشكل الهندسي الصلب الجامد المتشابه والمتطابق في معظم الاحيان .

 يناقش لطفي تأثير عمارة المدن الحديثة علي المشاعر والحميمية في العلاقات التي توارت و اندثرت تحت شعار الصمت والهدوء كأحد سمات المدن الحديثة التي يروجوا لها بتلك الشعارات الصماء التي تتعارض مع طبيعة النفس البشرية التي ترتاح بالالفة وتزدهر بالحوار والمشاعر،الدافئة ،فاندثرت الاحلام وحل محلهما الجمود والرتابة والتباعد الاجتماعي داخلحصار اختياري بين الاسوار الحديدية والبوابات الرقمية و الهندسة المعمارية الموحدة التي اصبحت نماذج محفوظة منفذة بالذكاء الاصطناعي ، تصلح ان تبني في اي دولة حول العالم علي حد سواء لانها لا تحمل طابع مجتمع او حضارة ما ، بل تحمل ابعاد جامدة رقمية ولا تحمل هوية بصرية ، و لا تتأثر بطبيعة بشر او سمات طقس او ملامح جيولوجية كالجبال او البحار،والمحيطات لانها ببساطة نماذج تجاهلت جميع العناصر التي تغير من طبيعة البشر ، لتصنع قالب جديد تذوب فيه الحدود الجغرافية لتتطابق مع مفهوم مصطلح العولمة ، فيصبح البشر متطابقين و متقولبين داخل منظومة جافة لا تعترف بتأثير الطبيعة واختلافها علي طبائع و سمات البشر.

حيث اصبحت المنظومة البصرية المفاهيمية في الفكر الحداثي ذات منطلقات جديدة ، حيث اتسعت دائرة التلقي ، فظهرت له تداعيات جديدة غيرت في ابعاد النظم الشكلية خاصة بعد ارتباط العامل الفلسفي بالعامل التقني في اظهار المتناقضات ، والبحث عن رؤي نقدية جديد تتوافق مع ما ظهر من دمج اتجاهات مختلفة في ذات العمل الواحد ، فاصبحنا نري الفنان يسعي الي توثيق لحظة زمنية محددة بينما يغلفها بطبقات من المعالجات ضمن تراكيب و سياقات مختلفة ، فتحولت المنظومة البصرية المفاهيمية من الثابت الي المتحرك  ، فربما كان الثابت هو العمل الفني ذاته ، والمتحرك هو فكر المتلقي ، و ربما كان الثابت هو الشكل والمتحرك هو اسلوب معالجة الشكل ذاته،  و هذا يطرح علينا سؤال حين مشاهدة معرض الفنان ايمن لطفي بجاليري الفن بالزمالك ، والذي ياخذنا الي عالم “المدينة” التي نعيش فيها بكافة متحولاتها الشكلية والتكوينية ، فمن المفترض ان المدينة تعني لدي الانسان الذكريات ، الامان ، الاستقرار ، الاحتواء ، الا اننا نقرا في مدخل المعرض عبارات سطرها ايمن لطفي لتكون عنوانا محفزا لما سنشاهده داخل لوحاته كبيرة الحجم التي تجبرك علي الاحساس بانك جزء لا يتجزأ منها  ” لقد اصبحت منسيا في شوارع مدينتي  ، لا لانني رحلت عنها بل لان ملامحها التي عرفتني …لم تعد هنا” حيث تتحول المدن الي مساحات نمطية ثابتة و مكررة ، فاستبدلت مفهوم حي “ المستمد من كلمة حياة” الذي كان يستدعي لذاكرتك البصرية شكل المدينة التي الفتها في مراحل حياتكبمصطلحات جديدة اجنبية و كومباوندات و مرتفعات تشعر معها بالغربة لتشارك لطفي في احساسه بالغربة التي يريد من المتلقي ان يتخلص منها معه ، فيتحول المتلقي في معرض المدينة من المشاهدة السلبية الي التفاعل الايجابي الديناميكي ، و ربما اراد لطفي بالمجسم الضخم الذي يتصدر قاعة العرض علي شكل انسان ضخم مكبل بالحبال والقيود ان يتسرب اليك ما يريد التعبير عنه في لوحاته ، كما اراد باستبدال رأس المجسم البشري ب كره خضراء تنبت زهورا بيضاء التي اراد لطفي بها تمهيد المتلقي لان يحلق معه في عالم الاحلام السيريالية” , التي تميز اعمال لطفي علي مدار مشواره الفني الطويل متمنيا فكر جديد و عودة لدفئ العلاقات و روح الاسرة.

 فالسريالية هي حركة ثقافية في الفن الحديث والأدب تهدف إلى التعبير عنما يدور في العقل الباطن بصورة مختلفة عن المنطق و قد تستهدم بعض الرموز لحث المتلقي علي تأويلها وفق ما تثيره تلك الرموز من تداعيات شعورية لدي المتلقي .

حيث تعتبر السريالية آليّة أو تلقائية نفسية خالصة تسعى للبعد عن الحقيقةوإطلاق الأفكار المكبوتة والتصورات الخيالية و اطلاق العنان للأحلام التي قد لا يستطيع الانسان تحقيقها علي ارض الواقع .

 فنانو السريالية يستخدمون الأشياء الواقعية بصورة مغايرة لواقعها و محاولات مستمرة لاكتشافات من اجل تحقيق اكتشافات تشكيلية رمزيةتحمل مضامين فكرية وانفعالية تحتاج إلى ترجمة من الجمهور المتذوق كل وفق مشاعره و ثقافاته.

 في اعمال لطفي الذي تتميز اعماله الفوتوغرافية بالسيريالية المحملة بالرموز” نجد البنايات الحديثة قد قيدتها الحبال لترمز الي البعد النفسيلشعور ساكنيها بالقيد و تكبيل مشاعرهم و افكارهم بقيود المدن الجديدة ذات البنايات الشاهقة الخالية من اللمسات الانسانية التي تحمل عبق التاريخ والحضارة التي تنتمي اليها تلك المدن ، فسعي لطفي للتعبير عنهم ، و ربما نري في بعض اللوحات صورة المرأة الحامل والتي ترفض ان تضع حملها في هذه القيود و تلوذ به في امان رحم الام و تهرب من تلك البنايات في مشاهد تؤكد الاحساس بالخوف والترقب لمستقبل اطفال و اجيال تولد في ظل جفاف المدينة الجديدة من المشاعر الانسانية والتفاعلية.

 يسعي لطفي دائما في مشواره الفني ان تكون المرأة هي محور اعماله ، فنراه يحملها بافكاره و مشاعره ربما لانها اساس المجتمع والمسئول دائما عن حل المشكلات! فجعلها اداة لاستشراف مستقبل تتغير فيه ملامح البشر بالتوازي مع تغير شكل المدن ، فتسود العلاقات حدة و جفاف ينتج عنها تقوقع حول الذات و احساس دائم بالغربة و ما يتبعه من فرار دائم الي وسائل التواصل التكنولوجي والاجتماعي بحثا عن عالم و مجتمع افتراضي واهم يكون هو العوض عن الاتصال الانساني في الواقع.

 في مدينة لطفي الجديدة حالة من التمرد و رغبة في فك القيود و تحطيمها و رغبة في فضاء رحب امن و هذا ما عبر عنه من خلال اللوحة التي يشاركه فيها وليد عوني و هو يعبر حركيا عن سعادته من التحرر خارج قيود المباني و المدينة التي تحولت فجأة الي قلعة من التروس والاجزاء الصلبة التي تطحن من يدخلها بدلا من ان تحتويه ، و استبدلها لطفي بملابس عوني المنسابة في حرية مع نسيم الهواء علي الرغم من انخا ذات الوان محايدة تاكيدا لفقدها للروح ايضا.

 مدينة ايمن لطفي هي معرض محفز علي التفكير و عدم الانسياق وراء القوالب المكررة فنجد في احدي لوحات لطفي مجموعة من الرؤوس تتكرر في صفوف منتظمة عدا بعضها يحاول ان يشب عن الطوق لينظر برؤية مختلفة لاعادة تشكيل المشهد. بينما تحررت راقصة الباليه في لوحة اخري من زيها التقليدي لتكسر القاعدة ايضا حتي في الملابس الكلاسيكية المعروفة لراقصة الباليه ، لوحات لطفي تحولت فيها الرمال المحيطة بالبنايات الي اللون البرتقالي و درجات الاحمر بحثا عن ديناميكية جديدة خارجها حتي و ان كانت نيران مشتعلة تزيد من حركة البشر فرارا من البرود الطابق في تلك البنايات فالتضاد اللوني رمزا لتضاد المشاعر لتجذب المتلقي نحو مفهوم اللوحة .

 في لوحات المدينة تتخلي المرأة عن تاجها وشعرها و هو رمز جمالها ليحل محله قيود و قصاصات كتب و مجلات و ربما وثائق و مستندات موروثة امعنت في ابىاز الصراع بين الموروث المجتمعي،وبين القيود الجديدة التي تنال العقل ايضا فاجبرتها عنوة عن التخلي عن طبيعتها و وضعها في قالب جاف لتدور،في دوامة لا تستطيع الخروج منها ليؤكد لطفي تأثير البيئة المحيطة علي سلوك البشر ، و كعادته برع لطفي في ابراز الحركة في اعماله من خلال المعالجات الجرافيكية للصورة الفوتوغرافية و اضافة فلاتر هاصة به من صنعه هو وليست من صنع الذكاء الاصطناعي لنستطيع مع معالجاته المتفردة ان نتعرف علي اعماله فور مشاهدتها في المحافل الدولية التي اعتاد تمثيل مصر فيها.

 تظل الالوان الساخنة تطل علينا في معظم لوحات لطفي بينما يبدع في تكثيف الدلالات الرمزية والدلالات اللونية في اعماله. كما ساد الصمت. الحيرة في كثير من اعماله ليترك للمتلقي التفاعل مع اللوحات ، بينما تتنوع الملامس في معالجاته للوحاته و شخصياته كدلاله رمزية لتنوع الضغوط والانفعالات والافكار كما انها شاهد علي براعته في المعالجات التقنية للوحاته.

 يعد «المدينة» هو المعرض الفردى الـ١٢ لأيمن لطفي، بالاضافة الي مشاركاته الفنية فى العديد من المعارض الجماعية داخل مصر وخارجها، حيث بدأ رحلته الفنية فى التصوير الفوتوغرافى المباشر ، قبل أن يتحول فى عام ٢٠٠٦ نحو الفوتوغرافية السيريالية و الرمزية،  محمد لطفي يصنع المشهد داخل الصورة و يجهزه ليحمله بالمشاعر و المفاهيم التي يريد التعبير عنها ، فيصور عناصر متعددة ثم يجمعها معًا وفق اسكتشات وتصورات يجهزها مسبقًا و يضيف اليها فلاتر من صنعه محملة بملامس مصورة من الطبيعة لينتج لوحات تحمل هويته لا تخطئها العين.

 سيظل ايمن لطفي فنان و مصور فوتوغرافي له بصمة خاصة استطاع بها ان ينقل عالم الفوتوغرافية الي منطقة معالجات جديدة تجمع بين المفاهيميةوالسيريالية المحاطة ببراعة في اختيار الرمز و التكوين ومهارة تقنية لا منافس لها .

https://www.instagram.com/reel/DYNHWgKIYf1/?igsh=MWt1c3lweTVmcGoyeQ==

 

 

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى