مقالات

مجدى طنطاوى يكتب البقشيش آفة بلدنا فهل من سبيل

لم يعد البقشيش فى كثير من صورِه مجرد لفتة تقدير أو مكافأة رمزية على خدمة مميزة كما كان يُفهم قديمًا بل تحول فى بعض البيئات إلى ثقافة ضاغطة وسلوك يومى يطارد الناس فى كل مكان حتى صار المواطن أحيانًا يشعر أنه لا يحصل على حقه أو خدمته إلا إذا مد يده إلى جيبه قبل أن تمتد إليه يد طالب البقشيش

والمؤلم أن الظاهرة خرجت من دائرة الحاجة عند البعض إلى دائرة الطمع والاعتياد حتى أصبح البقشيش عند فئات معينة بابًا إضافيًا للادخار وتحقيق الثراء وليس مجرد محاولة لسد فجوة بين الدخل ومتطلبات الحياة القاسية

فى المطاعم والمقاهى والمصالح والخدمات وفى بعض الأماكن التى يرتادها الأثرياء والسياح تتكرر المشاهد ذاتها

نظرات انتظار

وإشارات تلميح

وأحيانًا طلب مباشر لا يعرف الحرج

حتى كأن الخدمة أصبحت مشروطة لا واجبًا مهنيًا ولا أخلاقيا

والأخطر أن استمرار هذه الثقافة يقتل قيمة العمل نفسها

فيتحول الإخلاص فى أداء الواجب من قيمة أخلاقية إلى سلعة لها ثمن إضافى

ويصبح من يدفع أكثر يحظى باهتمام أكثر بينما يشعر محدود الدخل بالإهانة والعجز وربما بالتمييز داخل وطنه

ولا يمكن إنكار أن ضعف الرواتب وارتفاع تكاليف الحياة ساهم فى انتشار الظاهرة لكن الحقيقة أيضا أن هناك من تحولت عنده المسألة إلى جشع لا علاقة له بالحاجة

فمهما زادت الرواتب لا يكتفى

ومهما تحسنت الأحوال لا يتوقف

لأن المشكلة لم تعد اقتصادية فقط بل أصبحت تربوية وثقافية وأخلاقية أيضا

ونرى النموذج نفسه عند قلة قليلة من نجوم الدروس الخصوصية الذين تحولت رسالتهم التعليمية إلى تجارة مفتوحة لا سقف لجمع المال فيها

فكلما ازدادت الأرباح ازدادت الشهية للمزيد حتى غابت عند البعض قدسية الرسالة تحت بريق المكاسب

إن مواجهة آفة البقشيش لا تكون بالشعارات ولا بالغضب وحده بل تحتاج إلى إصلاح حقيقى يبدأ من عدة أبواب

أولها تحسين الأجور بعدل يضمن للإنسان حياة كريمة

وثانيها تطبيق قواعد واضحة تمنع استغلال الناس أو ابتزازهم معنويًا

وثالثها إعادة بناء قيمة احترام المهنة والضمير فى النفوس

فالإنسان الذى يتقن عمله لأنه واجب لن يبيع كرامته على باب كل خدمة يقدمها

كما أن المجتمع نفسه مطالب بألا يشجع هذه الثقافة العشوائية التى تصنع الاتكالية وتقتل الاجتهاد وتفتح أبواب الفساد الصغير الذى يتحول مع الوقت إلى فساد كبير

إن الأمم لا تنهض فقط بالمشروعات العملاقة ولا بالأبراج والطرق بل تنهض حين يشعر المواطن أن كرامته مصونة وأنه يحصل على حقه دون أن يدفع ثمنًا خفيًا خلف كل معاملة

ويبقى السؤال المؤلم

هل نستطيع أن نعيد للبقشيش معناه الإنسانى البسيط إن وجد

أم أننا تركناه يتحول إلى آفة تنخر فى أخلاق المجتمع وعلاقة الناس ببعضهم البعض؟

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى