مقالات

د. أحمد الشريف يكتب.. ركائز بناء الوعي

بناء الوعي لا يبدأ من المدرسة وحدها ولا يتشكل داخل الأسرة فقط بل هو مسؤولية مشتركة تتكامل فيها التربية والتعليم والخطاب الديني لصناعة إنسان واعٍ بقيمه ومدرك لمسؤولياته وقادر على المشاركة في بناء وطنه.

إن بناء الإنسان هو القضية الأهم في مسيرة تقدم الأمم لأن الأوطان لا تُبنى بالموارد والإمكانات وحدها وإنما تُبنى بالعقول الواعية والضمائر الحية والسلوك القويم والانتماء الحقيقي. ومن هنا تأتي أهمية التكامل بين ثلاثة من أهم المؤثرات في تشكيل وعي الإنسان منذ طفولته: الأسرة والمعلم ورجل الدين وفي مقدمتهم إمام المسجد.

الأسرة. . المدرسة الأولى لبناء الوعي

تُعد الأسرة نقطة البداية في تشكيل شخصية الإنسان فهي أول بيئة يتعرف فيها الطفل على معاني الحب والاحترام والانضباط والمسؤولية ومنها يكتسب عاداته الأولى ويتعلم كيفية التعامل مع الآخرين ويفهم الفرق بين الصواب والخطأ.

فالطفل لا يتعلم مما يسمعه من والديه فقط بل يتأثر بدرجة أكبر بما يراه من سلوكهما ومواقفهما وطريقة تعاملهما مع الحياة.

وإذا كانت الأسرة تغرس القيم فإنها تحتاج إلى دعم المدرسة والمؤسسات الدينية حتى تتحول هذه القيم إلى وعي راسخ وسلوك مستمر قادر على مواجهة الأفكار المغلوطة والتحديات التي يتعرض لها الأبناء في مراحل نموهم المختلفة.

المعلم. . صانع العقول وباني الشخصية

لا تقتصر رسالة المعلم على نقل المعلومات أو شرح المناهج الدراسية بل تمتد إلى بناء الشخصية وتنمية التفكير وترسيخ قيم الاجتهاد والانضباط واحترام الآخر وتعليم الأجيال كيف تفكر لا ماذا تحفظ فقط.

فالمعلم الحقيقي يترك أثرًا يتجاوز حدود الفصل الدراسي وقد تصبح كلمة منه نقطة تحول في حياة طالب كما قد يسهم موقف تربوي بسيط في اكتشاف موهبة أو تصحيح مسار، أو بناء ثقة بالنفس تستمر لسنوات طويلة.

ومن هنا فإن الاهتمام بالمعلم وتأهيله المستمر وتقدير مكانته الاجتماعية والمهنية وتوفير البيئة التي تمكنه من أداء رسالته ليس مجرد حق مستحق له بل هو استثمار مباشر في مستقبل المجتمع.

فالأمة التي تريد بناء أجيال قادرة على الابتكار والإنتاج وتحمل المسؤولية لا بد أن تمنح المعلم المكانة التي تليق برسالته.

إمام المسجد ورجل الدين. . بناء الضمير وترسيخ القيم

يمثل إمام المسجد ورجل الدين المؤهل أحد المؤثرات المهمة في تشكيل الوعي الأخلاقي والروحي والاجتماعي بما يقدمانه من خطاب ديني مستنير يربط القيم الإيمانية بالسلوك اليومي ويؤكد معاني الصدق والأمانة والرحمة والتسامح واحترام حقوق الآخرين.

فدور المسجد لا ينبغي أن ينحصر في أداء الشعائر بل يمتد إلى الإسهام في بناء الإنسان وتعزيز الوعي الأسري والمجتمعي وتصحيح المفاهيم المغلوطة ومواجهة التعصب والكراهية وترسيخ ثقافة العمل والإتقان واحترام القانون وصيانة المال العام.

وإمام المسجد الذي يدرك طبيعة المجتمع وتحدياته يستطيع أن يقدم خطابًا يلامس حياة الناس ويخاطب عقول الشباب ويسهم في حماية الأبناء من الانجراف وراء الأفكار المتطرفة أو السلوكيات الضارة.

ولذلك فإن الاهتمام برجال الدين وتأهيلهم علميًا وفكريًا وتربويًا وتطوير أدوات التواصل لديهم يمثل ضرورة لبناء خطاب ديني واعٍ قادر على الوصول إلى الأجيال الجديدة بلغتها ومساعدتها على التمييز بين صحيح القيم والمفاهيم المشوهة.

التكامل بين الأسرة والمعلم وإمام المسجد. . كيف يتشكل الوعي؟

تكمن القوة الحقيقية في العلاقة بين هذه الأطراف في تكامل أدوارها لا في عمل كل طرف بمعزل عن الآخر.

فالأسرة تغرس البذرة الأولى والمعلم ينمي العقل ويصقل الشخصية ورجل الدين يعزز الضمير والقيم الأخلاقية وتأتي مؤسسات المجتمع ووسائل الإعلام لتدعم هذا البناء أو تؤثر فيه.

وعندما تتفق الرسائل التربوية التي يتلقاها الطفل في البيت والمدرسة والمسجد تتعزز لديه الثقة بالقيم التي يتعلمها ويصبح أكثر قدرة على تحويلها إلى سلوك عملي.

أما عندما تتناقض الرسائل فيُطلب من الطفل الصدق بينما يرى الكذب ويُعلَّم احترام الآخرين بينما يشاهد الإهانة ويُدعى إلى الأمانة بينما يلاحظ عكسها في محيطه فإن الفجوة بين القول والفعل قد تضعف أثر التربية والتعليم والخطاب الديني.

ومن هنا فإن بناء الوعي يحتاج إلى القدوة قبل التوجيه وإلى الحوار قبل إصدار الأحكام وإلى الممارسة قبل الاكتفاء بالشعارات.

لماذا يجب أن يبدأ الاهتمام منذ الصغر؟

لأن السنوات الأولى من عمر الإنسان تمثل مرحلة مهمة في تكوين شخصيته واكتساب عاداته وتشكيل نظرته إلى نفسه والآخرين والمجتمع. وكلما كانت البيئة المحيطة بالطفل أكثر اتزانًا وتكاملًا زادت فرص نموه بصورة سليمة.

فالوعي لا يتكون فجأة عندما يصبح الإنسان شابًا وإنما يتشكل تدريجيًا من خلال مواقف يومية وكلمات يسمعها وقدوات يراها وأسئلة يجد من يجيب عنها وتجارب يتعلم منها.

ولهذا لا بد من الاهتمام بتنشئة الأطفال على التفكير الواعي واحترام الاختلاف وتحمل المسؤولية والانتماء الوطني والمحافظة على الممتلكات العامة وتقدير قيمة العمل والإنتاج.

كما يجب ألا نترك أبناءنا فريسة لمصادر المعرفة غير المنضبطة على وسائل التواصل الاجتماعي بل نمنحهم القدرة على التحقق من المعلومات وفهم ما يتعرضون له والتمييز بين الحقيقة والشائعة وبين الاختلاف المشروع والتحريض والتضليل.

نحو مشروع مجتمعي متكامل لبناء الوعي

إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من الجهود الفردية المتفرقة إلى منظومة مجتمعية متكاملة تجمع الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني من خلال برامج مشتركة تستهدف تنمية الوعي لدى الأطفال والشباب وأولياء الأمور.

ويمكن أن يبدأ ذلك بتنظيم لقاءات توعوية مشتركة وتأهيل المعلمين ورجال الدين في مجالات التواصل مع النشء وتقديم برامج للتربية الأسرية ونشر ثقافة الحوار وإطلاق مبادرات لاكتشاف المواهب وبناء القدرات مع قياس أثر هذه الجهود على سلوك الأبناء ووعيهم.

وهنا تبرز أهمية دور المؤسسات المعنية بالتنمية وبناء الإنسان في توفير مساحات للتعاون وتبادل الخبرات وتحويل الأفكار إلى برامج قابلة للتنفيذ تصل إلى الأسرة والمدرسة والمسجد في مختلف المحافظات.

فالمسؤولية ليست مسؤولية جهة واحدة ولا يمكن أن ينجح طرف بمفرده في مواجهة تحديات بناء الوعي وإنما يتطلب الأمر رؤية مشتركة ورسالة واضحة وتنسيقًا مستمرًا وقدوة صادقة.

الخلاصة. . بناء الإنسان يبدأ من تكامل الرسالة

إن المعلم الذي يبني العقل وإمام المسجد الذي يعزز القيم والضمير والأسرة التي تغرس المبادئ وتقدم القدوة يمثلون معًا ركائز أساسية في صناعة الإنسان الواعي.

والاهتمام بهم ليس ترفًا اجتماعيًا بل ضرورة وطنية لأن كل جهد يُبذل في تأهيل المعلم ودعم رجل الدين وتمكين الأسرة من أداء رسالتها هو جهد يُستثمر في حماية الأجيال وتعزيز تماسك المجتمع وإعداد مواطن قادر على العمل والإبداع وتحمل المسؤولية.

فإذا أردنا بناء وطن قوي فعلينا أن نبدأ ببناء الإنسان وإذا أردنا بناء الإنسان، فعلينا أن نُحسن إعداد من يشكلون وعيه منذ الصغر.

إن بناء الوعي مسؤولية مشتركة والنجاح فيه يبدأ عندما تتكامل رسالة البيت والمدرسة والمسجد لتصبح القيم سلوكًا والمعرفة وعيًا والانتماء عملًا والإنسان الواعي أساسًا لكل نهضة وطنية حقيقية.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى