رؤى الشرفاء الحمادي

استقبال مهيب وتأثير واسع.. “رسالة السلام” تكتب فصلًا جديدًا في آسيا آلاف الطلاب يتفاعلون مع أفكار الشرفاء الحمادي وشراكات أكاديمية تفتح آفاق التعاون الدولي

جاكرتا – مركز العرب

انطلقت من القاهرة رحلة وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية في جولة آسيوية وُصفت بأنها من أهم التحركات الفكرية العربية نحو شرق آسيا، مستهدفة تعزيز الحضور الثقافي والدعوي، وبناء جسور تعاون أكاديمي وإنساني مع المؤسسات التعليمية في إندونيسيا وماليزيا. وترأس الوفد الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي، المدير العام للمؤسسة، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والإعلاميين، في إطار مشروع فكري يقوده المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، يقوم على إعادة تقديم الخطاب الإسلامي في صورته القرآنية الجامعة.

استقبال رسمي

مع وصول الوفد إلى الأراضي الإندونيسية، بدا واضحًا حجم الاهتمام الرسمي والشعبي بهذه الزيارة، حيث حظي الوفد باستقبال رسمي رفيع في ولاية لامبونج، تقدمه مستشار المحافظ علي الزبيدي وعدد من القيادات الأمنية والأكاديمية، في مشهد عكس تقديرًا استثنائيًا للرسالة التي يحملها الوفد. ولم يقتصر الاستقبال على الطابع البروتوكولي؛ بل امتد إلى مظاهر ترحيب ثقافية تقليدية، حيث مُنح أعضاء الوفد “التيباس”، في دلالة رمزية على اعتبارهم جزءًا من المجتمع المحلي.

وتعزز هذا المشهد باستقبال طلابي مهيب في معهد “الياسيني مفتاح العلوم”، حيث اصطف آلاف الطلاب في مشهد منظم على جانبي الطريق، في لوحة إنسانية عكست عمق التفاعل مع الزيارة. كما شهدت جامعة مولانا الإسلامية استقبالًا احتفاليًا مميزًا على أنغام “طلع البدر علينا”، في أجواء روحانية أكدت التقارب الثقافي والوجداني بين الجانبين، ومهدت لانطلاق سلسلة من الفعاليات الفكرية والعلمية.

جولات ميدانية ولقاءات مثمرة

ضمن برنامج الزيارة، قام الوفد بجولات ميدانية شملت عددًا من المؤسسات التعليمية والجامعات، حيث اطلع على التجارب التعليمية في تدريس العلوم الشرعية واللغة العربية، كما زار الحرم الجامعي الثالث لجامعة مولانا بمدينة باتو، في إطار التعرف على البنية التحتية التعليمية وتعزيز فرص التعاون. وشملت الجولات كذلك زيارة معهد “دار الفتح” في لامبونج، حيث التقى الوفد بالطلاب وأعضاء هيئة التدريس في لقاءات مباشرة عكست اهتمامًا متبادلًا بتطوير التعليم الديني.

وفي سياق الجولات، عقد الوفد اجتماعًا موسعًا مع قيادات مؤسسة دار الفتح، بحضور مستشار المحافظ، لمناقشة مشروع إنشاء مركز متكامل للدراسات القرآنية، بما يعكس توجهًا عمليًا لترجمة الأفكار إلى مؤسسات تعليمية راسخة. كما شملت الزيارة لقاءً رسميًا مع حاكم لامبونج، الذي أعلن تخصيص نحو 80 فدانًا لصالح مؤسسة رسالة السلام لإنشاء مركز ومعهد للدراسات القرآنية، في خطوة عُدّت تحولًا نوعيًا في مسار التعاون.

مذكرات تفاهم تخدم “رسالة الإسلام”

على المستوى الأكاديمي، شهدت جامعة مولانا مالك إبراهيم الإسلامية توقيع مذكرة تفاهم استراتيجية مع مؤسسة رسالة السلام، تستهدف تعزيز التعاون في مجالات البحث العلمي وتعليم اللغة العربية والدراسات القرآنية. وتُوج هذا التعاون بافتتاح مركز الشرفاء الحمادي للدراسات القرآنية واللغة العربية داخل الحرم الجامعي، ليكون منصة علمية جديدة تسهم في بناء جيل واعٍ يجمع بين المعرفة والقيم.

كما احتضنت الجامعة ندوة علمية كبرى بعنوان “السلام العالمي وتعليم اللغة العربية بين التعليم والإعلام والدبلوماسية”، ناقشت دور اللغة العربية كجسر للتواصل الحضاري، وأهمية تكامل الأدوار بين المؤسسات التعليمية والإعلامية في نشر ثقافة السلام. وتخللت الندوة جلسات حوارية وعروض علمية، أكدت أهمية تطوير مناهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.

عالمية رسالة القرآن

امتدت الفعاليات إلى جامعة دار الفتح، حيث عُقدت ندوة بعنوان “رسالة سلام من القرآن إلى العالم”، وسط حضور طلابي واسع، تناولت محاورها دور الخطاب الديني المعتدل في مواجهة التحديات الفكرية، وأهمية العودة إلى القرآن الكريم كمرجعية جامعة للقيم الإنسانية. وشهدت الندوة تفاعلًا كبيرًا من الطلاب، ما يعكس نجاح المؤسسة في الوصول إلى الفئات الشابة.

وفي إطار اللقاءات الرسمية، استضافت رئيسة جامعة مولانا الوفد في لقاء ودي داخل منزلها، في أجواء إنسانية عكست عمق العلاقات المتنامية، حيث جرى بحث سبل تعزيز التعاون المشترك، وإطلاق مبادرات ثقافية وتعليمية تدعم قيم التسامح والتعايش. كما شهدت الزيارة لقاءات رسمية مع قيادات حكومية وأكاديمية، أكدت جميعها أهمية استمرار هذا التعاون.

إشادات دولية بالزيارة

على صعيد التقدير الدولي، أصدرت مؤسسة الجامعة الإسبانية العربية بيانًا أشادت فيه بالنجاح الكبير للزيارة، معتبرة أن ما تحقق يمثل نموذجًا نادرًا لقدرة الفكر الإنساني الصادق على تجاوز الحدود وصناعة التأثير. وأكد البيان أن ما جرى في إندونيسيا يتجاوز كونه نشاطًا دبلوماسيًا إلى كونه تأسيسًا حقيقيًا لمشروع فكري عالمي قائم على القيم القرآنية.

القرآن منهج إلهي شامل

وفيما يتعلق بالمداخلات، جاءت كلمة الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي في مقدمة الخطاب الفكري للزيارة، حيث أكد أن القرآن الكريم يمثل المنهج الإلهي الشامل الذي ينبغي أن تعود إليه الأمة في سلوكها وتشريعاتها. وأوضح أن كتاب الله لم يفرط في شيء، وأنه يشكل قاعدة كبرى لتنظيم حياة الإنسان على أساس العدل والرحمة والسلام.

وأضاف طنطاوي أن المؤسسة تسعى إلى إعادة تقديم الخطاب الإسلامي في صورته الحقيقية، بعيدًا عن التشويه الذي لحق به، مشددًا على أن الإسلام رسالة رحمة لا صراع، وأن جوهره يقوم على المحبة والعمل الصالح. كما انتقد الاقتصار على المظاهر الشكلية للدين، داعيًا إلى تحويل القيم إلى سلوك عملي يعكس حقيقة الإيمان.

وفي سياق متصل، شدد طنطاوي على أهمية ربط الأجيال الجديدة بالقرآن الكريم من خلال الفهم والتدبر، لا الحفظ فقط، مؤكدًا أن المركز الجديد في جامعة مولانا يمثل خطوة عملية نحو تحقيق هذا الهدف. واختتم بالتأكيد على أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من “أهل القرآن”، داعيًا إلى دعم المؤسسات التعليمية التي ترسخ هذه القيم.

اللغة العربية وعاء القرآن

من جانبه، ركز الدكتور عبد الراضي رضوان في كلمته، على أهمية اللغة العربية باعتبارها وعاء القرآن الكريم، مؤكدًا أن الاهتمام بها يعكس تقديرًا عميقًا للهوية الثقافية الإسلامية. وأشار إلى أن اللغة العربية تمتاز بثراء لغوي وبلاغي يجعلها من أعظم لغات العالم، داعيًا الطلاب إلى التمسك بها.

وأضاف رضوان أن القرآن الكريم يمثل نورًا يهدي الإنسان إلى سبل السلام، وأن تعاليمه لا تقتصر على الجانب الروحي؛ بل تمتد إلى تنظيم السلوك الإنساني على أساس القيم الأخلاقية. واستشهد بعدد من الآيات التي تؤكد العدل والإحسان، باعتبارهما أساس بناء المجتمعات.

واختتم رضوان كلمته بالتأكيد على أن التفوق الحقيقي لا يقتصر على التحصيل العلمي؛ بل يشمل الالتزام بالقيم، داعيًا الطلاب إلى أن يكونوا نموذجًا يجسد أخلاق القرآن في حياتهم اليومية، ومشيدًا بحرصهم على التعلم والانفتاح.

الإعلام والتعليم سبيلان لنشر الوعي

أما الدكتور رضا عبد السلام، فقد ركز في مداخلته، على أهمية التكامل بين الإعلام والتعليم في نشر الوعي الثقافي، مؤكدًا أن الدبلوماسية الثقافية تمثل أداة فعالة لبناء جسور التواصل بين الشعوب. وأشار إلى أن المؤسسات الأكاديمية يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في هذا المجال.

وأوضح أن التحديات المعاصرة تتطلب خطابًا دينيًا متجددًا، قادرًا على مخاطبة العقل والوجدان، ومواجهة الأفكار المتطرفة بالحجة والعلم. كما أكد أن التعاون الدولي في المجال التعليمي يمثل ضرورة لمواجهة هذه التحديات.

واختتم بالتأكيد على أن تجربة مؤسسة رسالة السلام تمثل نموذجًا عمليًا لتكامل الأدوار بين المؤسسات الفكرية والتعليمية، داعيًا إلى تعميم هذه التجربة في مناطق أخرى من العالم.

وفي ختام الزيارة، بدت ملامح مرحلة جديدة من التعاون قد تشكلت، حيث لم تقتصر النتائج على توقيع اتفاقيات أو تنظيم فعاليات؛ بل امتدت إلى بناء شبكة علاقات إنسانية ومؤسسية تحمل في طياتها إمكانية التأثير طويل المدى. وقد أكدت هذه الجولة أن الخطاب القائم على القرآن الكريم، حين يُقدَّم بروح إنسانية منفتحة، قادر على أن يجد صدى واسعًا في مختلف الثقافات.

وتفتح هذه الزيارة آفاقًا جديدة لنشر صحيح الإسلام في آسيا، وتؤكد أن رسالة السلام التي تحملها المؤسسة ليست حبيسة الجغرافيا؛ بل تمتلك من العالمية ما يؤهلها لتكون جزءًا من الحوار الإنساني المعاصر، في عالم بات أحوج ما يكون إلى خطاب يعيد الاعتبار لقيم الرحمة والتعايش.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى