مقالات

إسماعيل عيد يكتب.. أكتوبر.. ملحمة وطن لا ينحني همزة وصل

ليست كل الأيام سواء في ذاكرة الأوطان؛ فهناك أيام تمرّ مع الزمن، وأيام أخرى تصنع الزمن وتدفعه إلى الأمام. وهناك أيام لا تُسجَّل في صفحات التقويم فحسب، وإنما تُنقش في وجدان الشعوب، لأنها تحمل لحظة فارقة تستعيد فيها الأمة ثقتها بنفسها، وتثبت أن الانكسار لا يعني الهزيمة، وأن الكبوة مهما اشتدت لا تستطيع أن تمنع وطنًا من النهوض.
ومن بين تلك الأيام يطل السادس من أكتوبر شامخًا في الذاكرة المصرية والعربية، لا باعتباره ذكرى لانتصار عسكري فحسب، وإنما بوصفه عنوانًا لإرادة وطن قرر أن يعبر الألم، ويستعيد الأرض، ويسترد الكرامة، ويكتب بتضحيات أبنائه فصلًا جديدًا من تاريخه.
في أكتوبر لم تعبر القوات المسلحة المصرية قناة السويس وحدها…
بل عبرت مصر كلها.
عبر الجندي المصري إلى الضفة الشرقية، وعبرت معه آمال الملايين، ودعوات الأمهات، وقلوب الآباء، وأحلام الأسر التي كانت تنتظر يومًا تستعيد فيه مصر أرضها وكرامتها.
كان العبور فاصلةً بين زمنين؛ زمنٍ أثقلته مرارة النكسة، وزمنٍ جديد استعادت فيه مصر ثقتها بقدرتها على الفعل والانتصار. ولم يكن ذلك التحول وليد لحظة عابرة أو مصادفة، وإنما كان ثمرة إعداد طويل، وتخطيط دقيق، وإرادة سياسية وعسكرية، وإيمان راسخ بأن الوطن يستحق أن تُبذل من أجله أغلى التضحيات.
في ساحات القتال، لم يكن الجندي المصري يحمل سلاحه وحده؛ كان يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه. كان يحمل تراب قريته، ووجه أمه، وذكريات طفولته، وراية مصر، ويحمل في قلبه يقينًا بأن خلفه شعبًا كاملًا ينتظر منه أن يفتح الطريق نحو الأرض والكرامة.
ومن هنا أصبح السادس من أكتوبر أكبر من مجرد تاريخ عسكري؛ أصبح حكاية وطن عن الإرادة حين تتحول إلى فعل، والإيمان حين يتحول إلى صمود، والتضحية حين تتحول إلى مستقبل.
فالقيمة الحقيقية لأكتوبر لا تكمن فقط في تفاصيل المعركة، وإنما في الأثر الذي تركه الانتصار داخل الإنسان المصري. لقد أعاد النصر الثقة إلى النفوس، وأكد أن الشعوب لا تُقاس بما تتعرض له من عثرات، وإنما بقدرتها على النهوض بعدها.
لقد قالت أكتوبر للعالم إن مصر تستطيع أن تتألم دون أن تستسلم، وأن تتراجع لتعيد ترتيب صفوفها، ثم تعود إلى الميدان أكثر إصرارًا على استرداد حقها.
لكن خلف هذا المشهد المضيء كانت هناك وجوه لم تصل إلى منصات التكريم، وأسماء لم تُكتب في عناوين الصحف، وأرواح ارتقت دفاعًا عن الأرض والكرامة.
إنهم الشهداء… أصحاب النصيب الأكبر من ثمن النصر.
سلام على أرواحهم الطاهرة، وسلام على أمهاتهم وآبائهم وزوجاتهم وأبنائهم، وسلام على كل جندي عاد من المعركة يحمل في جسده آثارها، وفي قلبه أسرارها، وفي ذاكرته وجوه رفاق لم يعودوا.
إن الوفاء لأكتوبر لا يكون باحتفال عابر في كل عام، ولا بترديد عبارات النصر ثم العودة إلى تفاصيل الحياة وكأن شيئًا لم يكن.
الوفاء الحقيقي لأكتوبر هو أن نفهم الدرس.
والدرس واضح:
أن الوطن لا يحميه إلا أبناؤه.
وأن الكرامة تحتاج إلى إرادة.
وأن النصر لا يأتي لمن ينتظره، وإنما لمن يستعد له ويعمل من أجله.
وأن الأمم العظيمة لا تستسلم أمام المحن، بل تحول الألم إلى قوة، والتحدي إلى فرصة، والانكسار إلى بداية جديدة.
إن مصر، بتاريخها الطويل، لم تكن يومًا وطنًا عابرًا في جغرافيا العالم، بل كانت وستظل صاحبة تجربة إنسانية وحضارية عميقة، تعرف كيف تنهض كلما حاولت المحن أن تثقل خطاها.
ومن هنا تضع أكتوبر أمام الأجيال الجديدة سؤالًا أكبر من سؤال الحرب والنصر:
ماذا نفعل نحن بهذا الإرث؟
هل نكتفي بأن نحكي لأبنائنا كيف عبر آباؤهم قناة السويس؟
أم نعلمهم كيف يعبرون هم أيضًا تحديات عصرهم بالعلم والعمل والوعي والانتماء؟
فالحرب تنتهي، لكن معركة بناء الوطن لا تنتهي.
والجندي الذي حمل السلاح في أكتوبر كان يدافع عن مستقبل مصر، ونحن اليوم مطالبون بأن نحمل مسؤولية هذا المستقبل، كلٌّ في موقعه؛ في المدرسة والجامعة، في المصنع والمزرعة، في المستشفى وميدان العمل، وفي كل مكان يمكن أن يتحول فيه حب الوطن إلى عمل حقيقي وإنجاز ملموس.
فالوطن لا يُبنى بالشعارات وحدها، ولا تحميه الكلمات، وإنما يحميه وعي أبنائه، ويقويه إخلاصهم، وتصنع مستقبله سواعدهم وعقولهم.
لقد عبر أبطال أكتوبر القناة، لكن العبور الذي يجب أن يبقى حاضرًا في وجداننا هو عبور الإنسان المصري من اليأس إلى الأمل، ومن الخوف إلى الثقة، ومن انتظار المستحيل إلى صناعة الممكن.
لهذا ستظل أكتوبر حاضرة.
ستظل في صوت المدافع الذي أعلن بداية العبور، وفي صمت الجندي قبل المعركة، وفي دمعة أم كانت تعرف أن ابنها ذاهب إلى الميدان، وفي فرحة وطن أدرك بعد سنوات الألم أن النصر ممكن حين تتوحد الإرادة.
ستظل أكتوبر صفحة مضيئة في كتاب مصر، لا لأن التاريخ توقف عندها، وإنما لأن التاريخ تحرك بها.
فالمجد ليس أن تنتصر مرة، وإنما أن تتعلم من انتصارك كيف تحمي وطنك، وكيف تبني مستقبلك، وكيف تمنع تكرار أسباب الانكسار، وكيف تجعل من النصر مسؤولية مستمرة لا ذكرى موسمية.
سلام على أكتوبر يوم كان وعدًا بالنصر.
وسلام عليه يوم صار حقيقة.
وسلام عليه في ذاكرة كل مصري يعرف أن وراء كل شبر من تراب الوطن قصة تضحية، وأن وراء كل راية مرفوعة أرواحًا آمنت بمصر حتى آخر نبضة.
سلام على مصر… وطنًا وجيشًا وشعبًا.
وسيظل السادس من أكتوبر شاهدًا على أن الأوطان قد تمر بالعواصف، وقد تُصاب بالجراح، وقد تتأخر في الوصول إلى ما تريد، لكنها حين تمتلك إرادة العبور، تستطيع أن تفتح لنفسها طريقًا وسط المستحيل.
تلك هي أكتوبر…
ليست ذكرى نحتفل بها، بل قيمة نتعلم منها.
وليست صفحة من الماضي، بل رسالة إلى المستقبل.
وليست مجرد انتصار في معركة، بل حكاية وطن أثبت أن من يمتلك إرادة النهوض لا يستطيع التاريخ أن يكتب نهايته.
مصر عبرت… وستظل تعبر.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى