اللواء عماد اليماني يكتب: نصر أكتوبر وحماية الأمن القومي المصري

يمثل نصر السادس من أكتوبر عام 1973 محطة فارقة في تاريخ الدولة المصرية، ليس فقط باعتباره انتصارًا عسكريًا أعاد الثقة إلى الشعب المصري واستعاد لمصر زمام المبادرة، وإنما بوصفه تجربة وطنية رسخت مفهوم حماية الأرض وصون السيادة الوطنية، وأكدت أن الأمن القومي يرتبط بقدرة الدولة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
لقد أثبتت حرب أكتوبر أن الأمن القومي لا يتحقق بمجرد امتلاك القوة العسكرية، بل يحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة، وإرادة سياسية مستقلة، وتماسك الجبهة الداخلية، وقدرة الدولة على تعبئة مواردها وإمكاناتها لتحقيق مصالحها الوطنية.
أكتوبر.. استعادة الأرض وترسيخ السيادة
جاء نصر أكتوبر بعد سنوات من الاستعداد وإعادة بناء القوات المسلحة المصرية عقب حرب يونيو 1967. وفي السادس من أكتوبر، نجحت القوات المسلحة في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، لتثبت أن الإرادة الوطنية والتخطيط المحكم قادران على تغيير موازين القوى.
ولم يقتصر أثر النصر على استعادة الثقة في المؤسسة العسكرية، بل امتد إلى تعزيز مكانة مصر الإقليمية وفتح الطريق أمام استعادة الأراضي المصرية المحتلة، مؤكدًا أهمية التكامل بين القوة العسكرية والرؤية السياسية في حماية المصالح الوطنية.
الأمن القومي.. منظومة متكاملة
يرتبط الأمن القومي المصري بحماية الحدود والموارد الاستراتيجية، وتأمين الممرات البحرية، والحفاظ على استقرار المحيط الإقليمي، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التهديدات المختلفة.
وتؤكد تجربة أكتوبر أن القوة العسكرية تمثل ركيزة أساسية، لكنها تحتاج إلى اقتصاد قوي، ومؤسسات كفؤة، ومجتمع متماسك، وقدرة على إدارة الأزمات والتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
وتزداد أهمية هذه المعادلة في ظل التحديات الراهنة، التي تشمل الأوضاع في دول الجوار، وأمن البحر الأحمر، والأمن المائي، وما تفرضه هذه الملفات من ضرورة تبني رؤية استراتيجية شاملة تجمع بين القدرات الدفاعية والتحرك الدبلوماسي والتعاون الإقليمي.
الجبهة الداخلية.. أساس القوة الوطنية
أحد أهم دروس أكتوبر يتمثل في دور الجبهة الداخلية في دعم قدرة الدولة على مواجهة التحديات. فقد كان تماسك الشعب المصري وتحمله أعباء المعركة عنصرًا مهمًا في تحقيق النصر.
وفي الحاضر، تتطلب حماية الأمن القومي تعزيز الوعي الوطني، ومواجهة الشائعات بالمعلومات الموثوقة، ودعم الاستقرار المجتمعي، إلى جانب الاهتمام بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
كما يمثل الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والإنتاج ضرورة استراتيجية لبناء دولة قادرة على حماية مصالحها ومواجهة التحولات العالمية.
أكتوبر.. درس للمستقبل
إن نصر أكتوبر لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل نموذجًا لقدرة الدولة المصرية على إعادة البناء وتجاوز التحديات بالإرادة والتخطيط والعمل الجماعي.
وتظل حماية الأمن القومي المصري مسؤولية وطنية مستمرة، تتطلب قوة عسكرية قادرة على الردع، واقتصادًا منتجًا، ومؤسسات قوية، وسياسة خارجية تحافظ على المصالح الوطنية. وكما استطاعت مصر في أكتوبر 1973 استعادة زمام المبادرة وفتح الطريق أمام استعادة أرضها، فإن استلهام روح النصر اليوم يقتضي مواصلة البناء والتنمية، وصون السيادة الوطنية، وتأمين مستقبل الأجيال القادمة.



