على محمد الشرفاء يكتب…الظن بين الناس باب للرحمة أو باب للعدوان

إن في قول الله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم} حكمة بالغة تحكم العلاقات الإنسانية وتقرب بين الناس، وتبني جسور الثقة والمودة بينهم إذا أحسنوا الظن. فالله سبحانه يعلم طبيعة النفس البشرية، ويعلم أن أكثر الخصومات لا تبدأ بفعل، وإنما تبدأ بالظن السيئ، فتتحول إلى حكم مسبق يخلق التردد عند الإنسان، والشك ووسوسة الشيطان، قد يقطع التواصل والتعارف والحوار بين الناس، وتحدث الجفوة بين الأطراف، ثم إلى اتهام، ثم إلى قطيعة وعداوة. لذلك جاء النهي الإلهي قبل وقوع الجريمة، وقبل انهيار العلاقات، بمنع الاتهام دون دليل قاطع؛ لأن الله يريد أن تبدأ علاقة الناس فيما بينهم دون ريبة وشك وحكم مسبق على اتهام دون دليل، ليغلق باب الشر من بدايته، وأن يربي الإنسان على العدل والإنصاف قبل أن يصدر الأحكام الاستباقية على الناس.
وسوء الظن ليس مجرد خاطر يمر في النفس، وإنما هو أن يحكم الإنسان على غيره حكمًا سلبيًا دون علم ودون دليل، ودون أن يمنحه فرصة ليتعرف عليه ويسمع كلامه ويقيم أقواله، أو يرى منه موقفًا عمليًا يستطيع الحكم عليه بالإيجاب أو السلب. وهذا هو الظلم الذي يريد الله أن يطهر منه عقول عباده؛ لأن الإنسان إذا اعتاد الحكم على الناس بالظنون عاش أسيرًا للأوهام، وتحولت حياته إلى دائرة من الشك والخوف والعداوة.
أما سوء الظن فيتحول إلى ذنب؛ لأن الإنسان أصدر حكمًا ظالمًا على غيره دون دليل، فذلك أمر محظور، أن يحكم الإنسان على غيره قبل أن يعرفه، وقبل أن يتعامل معه، وقبل أن تظهر منه موقفًا معنويًا أو ماديًا يستوجب الحكم عليه.
إن الله يريد من الإنسان أن يبقى عقله محايدًا، وقلبه نقيًا حتى تظهر الوقائع، ويطمئن إلى الأدلة.
فإذا لم يصدر من الآخر قول أو فعل أو تصرف يدل على موقف سلبي، فلا يجوز…أن يسبق الإنسان الأحداث فيتهم النيات أو يفسر التصرفات من خلال الظن على أسوأ الاحتمالات. أما إذا ظهرت مواقف عملية أو اعتداءات حقيقية، فحينئذ يصبح من حق الإنسان أن يفكر ويتحوط ويتخذ ما يحميه من العدوان، دون أن يتجاوز حدود العدل والإنصاف. فالفرق كبير بين الحذر المبني على واقع، وبين سوء الظن المبني على الأوهام والشكوك.
ولهذا جاء التحذير الإلهي مبكرًا، لأن الظن السيئ حكم على برئ، في غرفة مغلقة داخل النفس دون بينة، ودون أن يعطى حقه في الدفاع عن نفسه. ولذلك يريد الله من المؤمن أن يطهر عقله وقلبه من الوقوع في هذا الظلم، فلا يسيء الظن بالناس إلا إذا قامت الأدلة الواضحة التي لا تحتمل الشك، أما مجرد الخواطر والأوهام فلا يجوز أن تتحول إلى أحكام تدمر العلاقات وتفسد القلوب.
ومن رحمة الله أنه لم يأمر المؤمنين بالاعتماد على الظنون، وإنما أمرهم بالتثبت فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ الحجرات (6).
فالتحقق والتبين لأي مسألة هو منهج القرآن، والتسرع في الحكم هو منهج الشيطان. وكم من إنسان ظلم غيره بسبب خبر كاذب أو إشاعة أو فهم خاطئ، ثم اكتشف الحقيقة بعد أن ضاعت الحقوق وتمزقت العلاقات ونشبت حروب وسفكت دماء وتقطعت علاقات نتيجة لنبأ كاذب.
كما أمر الله المؤمنين برد الأمور إلى العلم واليقين فقال سبحانه: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا﴾. فالإنسان مسؤول أمام الله عن كل حكم يصدره، وكل اتهام يوجهه، وكل كلمة يبنيها على الظنون لا على الحقائق والدلائل القاطعة. ولذلك جعل القرآن العلم أساسًا، والظن الذي لا دليل عليه إنما لا يجوز أن تبنى عليه الأحكام أو تضيع به الحقوق.
ولم يكتف القرآن بالنهي عن سوء الظن، بل كشف السلسلة التي تبدأ منه وتنتهي بفساد المجتمع فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾، فكأن القرآن يرسم مراحل الانحراف النفسي، فيبدأ الإنسان بسوء الظن، ثم يدفعه ذلك إلى التجسس ليبحث عما يؤكد أوهامه، فإذا لم يجد الحقيقة صنعها بخياله، ثم ينتهي به الأمر إلى الغيبة والطعن في الناس، وهكذا يتحول الظن إلى معاصٍ متتابعة تهدم الأخلاق وتقطع الأرحام وتزرع الفتن وتؤلب الناس على بعضها بالعدوان.
ومن هنا تتجلى عظمة التربية القرآنية، فهي لا تعالج الجريمة بعد وقوعها، وإنما تمنع أسبابها قبل أن تنشأ، وتحصن الإنسان استباقيا من الوقوع في ارتكاب المعصية أو الخطأ. فهي تريد للإنسان أن يسمو بأخلاقه حتى لا يحكم على أحد إلا بعلم، ولا يتهم أحدًا إلا ببينة، ولا يبني موقفًا إلا على حقيقة. فإذا بلغ مرتبة اليقين بالأدلة المؤكدة، يتخذ طريق الإنصاف والعدل فيرتقي في أخلاقه حتى يقترب من صفات الأنبياء الذين لا يظلمون ولا يتبعون الأهواء، وإنما يلتزمون بالحق الذي أمرهم الله به، وهذا هو مراد الله من تزكية الإنسان؛ أن يكون عادلًا في حكمه، طاهرًا في قلبه، منصفًا في نظرته إلى الناس، يعفو ويصفح ويغفر عن الأخطاء.
ولذلك فإن سوء الظن هو الشرارة الأولى لكثير من العداوات الشخصية والمشكلات الاجتماعية، وخاصة داخل الأسرة. فكم من بيت هدمه الشك والظنون السيئة، أدى لتفرق الأسرة، وكم من علاقة زوجية مستقرة أشعل فيها سوء الظن معركة دامية انتهت بالطلاق، وكم من أخوين أو صديقين أو شريكين فرقت بينهما الشكوك والظنون وأوهام لم يكن لها وجود في الحقيقة غير وسوسة الشيطان التي حذر الله الناس منها في عشرات الآيات القرآنية. ولهذا يحذر الله الناس تحذيرًا استباقيًا من استباق الأحداث والحكم عليها بسوء الظن، لأن الوقاية خير من علاج الخصومات بعد اشتعالها، والرحمة والتسامح والعفو يطفئ النيران ويحقق السلام.
وكان من أعظم صور الانحراف سوء الظن بالله، لأنه يفسد علاقة الإنسان بخالقه، فقال سبحانه: ﴿ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرًا﴾ (الفتح: 6).
فالذي يسيء الظن بربه، يظن أن الله لا يعلم أو لا يعدل أو لا يرحم أو لا ينصر عباده المؤمنين، فيعيش في قلق واعتراض دائم، ويبتعد عن طريق الإيمان.
وقال سبحانه:”وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ” الانعام -116
إن اتباع الظنون دون إدراك وتمحيص فى اتباع المضلين والمخادعين جعل أكثر الناس يبتعدون عن دين الإسلام، وهجر القرآن كان سببًا في انحراف كثير من الناس عن التوحيد والوقوع في الشرك
.. واتباع الأوهام والانحرافات سيؤدي بهم إلى الخسران يوم الحساب.
وقال سبحانه: ﴿وذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم ارداكم فاصبحتم من الخاسرين﴾، فكان سوء الظن بالله سببًا للهلاك والخسران.
وقال سبحانه: ﴿وما لهم به من علم إن يتبعوا إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا ﴾، فالحق لا يقوم على التخمين والظنون، وإنما يقوم على العلم والبرهان واليقين.
إن المجتمعات لا تبنى بالقوانين وحدها، وإنما تبنى بثقة الناس بعضهم ببعض، فإذا غاب حسن الظن انتشر الخوف، وسادت الريبة، وانقطعت الأرحام، وتحولت البيوت إلى ساحات نزاع، وأصبحت المجتمعات ضعيفة يسهل على الشيطان أن يزرع فيها الكراهية والعدوان.
لذلك فإن الله سبحانه من رحمته بالناس يريد أن يزكيهم وينمي في قلوبهم وأنفسهم خلق التثبت والعدل، ويحذرهم من الوقوع في معصية سوء الظن؛ لأنها باب من أبواب الشيطان، يوظفه في إشعال الخصومات وإفساد العلاقات وإشاعة البغضاء بين الناس. أما منهج الله في القرآن فهو أن يبقى الإنسان طاهر القلب، نقي السريرة، محايد العقل، لا يحكم إلا بدليل لا يقبل الشك
ولا يدين إلا بعلم وإدراك
ولا يستبق الأحداث بالخيال ووسوسة الشيطان بأوهام لا حقيقة له. فإذا ظهرت الوقائع كان لكل حادث حديث، أما قبل ذلك فالأصل هو البراءة، وحسن الظن، والعدل ، والإنصاف، حتى تقوم حياة الناس على الثقة والرحمة والسلام، ويكون القرآن هو المنهج الذي يحفظ للإنسان كرامته، ويحفظ للمجتمع وحدته، ويغلق أبواب الفتنة قبل أن تتحول إلى خصومة، ثم إلى صراع، ثم إلى عدوان لا يعلم مداه إلا الله.



