رؤى الشرفاء الحمادي

د.هاشم كيلانى يكتب من قيم القرآن إلى صناعة المستقبل: فكر الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي في عصر الذكاء الاصطناعي والروبوتات ماذا تعلمنا الروبوتات عن السلام والإنسان وقيم القرآن؟

يشهد العالم اليوم ثورة تكنولوجية غير مسبوقة. فالروبوت لم يعد مجرد آلة معدنية تتحرك وفق أوامر محددة، بل بدأ يقترب في شكله وحركته وتفاعله من الإنسان بصورة تثير الدهشة.

روبوتات تمشي، وتجري، وتحمل الأشياء، وتتعلم من البيئة المحيطة بها. وأخرى تمتلك وجوهاً شبيهة بالإنسان، وعيوناً تتحرك، ورموشاً، وشفاهاً تتحرك أثناء الكلام، وجلداً صناعياً ناعماً، وحساسات تستطيع استشعار اللمس. وهناك أنظمة تحاول فهم نبرة الصوت وتعبيرات الوجه والاستجابة لما يبدو أنه مشاعر إنسانية.

لقد أصبح الإنسان قادراً على محاكاة الإنسان بدرجة مذهلة.

ولكن وسط هذا التقدم يبرز سؤال أعمق من التكنولوجيا:

إذا استطعنا أن نصنع آلة تحاكي الإنسان في شكله وحركته وكلامه، فهل استطعنا أن نطوّر الإنسان في أخلاقه وقيمه وسلوكه؟

هنا تنتقل القضية من عالم الروبوتات إلى عالم الإنسان.

من محاكاة الحركة إلى محاكاة القيم

في علم البيوميكانيك، نحاول أن نفهم كيف يتحرك الإنسان.

ندرس العضلات والمفاصل والقوى والعزوم والتوازن ومركز الكتلة والتنسيق العصبي العضلي، ثم نحاول استخدام هذه المعرفة لتحسين الأداء الرياضي وتقليل الإصابات وتطوير الحركة.

واليوم يستخدم مهندسو الروبوتات مبادئ مشابهة لبناء آلات تستطيع محاكاة المشي والجري والتوازن والتفاعل مع البيئة.

فالروبوت يستطيع أن يتعلم كيف يتحرك الإنسان.

وقد يتعلم كيف يتحدث الإنسان.

وقد يتعلم كيف يحاكي تعبيرات وجه الإنسان.

وقد يتعلم كيف يستجيب لبعض الإشارات العاطفية.

ولكن يبقى السؤال:

هل يستطيع أن يتعلم لماذا ينبغي للإنسان أن يكون رحيماً؟

هل يستطيع أن يفهم معنى العدل؟

هل يستطيع أن يختار السلام عندما يستطيع أن يختار الصراع؟

هل يستطيع أن يضحي من أجل إنسان آخر دون مصلحة؟

هنا تظهر المسافة العميقة بين المحاكاة والقيمة.

فالآلة يمكن أن تحاكي السلوك، أما القيمة فتحتاج إلى وعي ومسؤولية واختيار.

الروبوت كمرآة للإنسان

قد يبدو غريباً أن نتحدث عن الروبوت في سياق السلام والقيم القرآنية، ولكن ربما يكون الروبوت واحداً من أفضل الأمثلة التي يمكن أن تجعلنا نتأمل معنى الإنسان.

نحن نصنع روبوتاً ليشبه الإنسان.

نضع له عينين حتى يبدو كأنه يرى.

ونضع له أذنين أو أجهزة استشعار حتى يبدو كأنه يسمع.

ونصنع له فماً وشفاه تتحرك حتى يبدو كأنه يتحدث.

ونصنع له جلداً حتى يصبح أكثر قرباً من المظهر البشري.

ونمنحه خوارزميات حتى يستطيع تحليل المعلومات واتخاذ بعض القرارات.

لكن مهما بلغ مستوى المحاكاة، يبقى هناك سؤال جوهري:

هل الشكل يصنع الإنسان؟

القرآن لا يجعل قيمة الإنسان في شكله الخارجي، وإنما في كرامته ومسؤوليته وعمله.

ومن هنا يمكن أن تصبح التكنولوجيا نفسها وسيلة لإعادة طرح سؤال قديم ومتجدد:

ما الذي يجعل الإنسان إنساناً؟

القرآن لا يقدم الإنسان بوصفه آلة

في الرؤية القرآنية، الإنسان ليس مجرد جسد يتحرك، ولا مجرد عقل يحلل المعلومات.

إنه كائن مسؤول عن اختياراته وعلاقته بالآخرين.

ولهذا فإن مفاهيم مثل العدل، والرحمة، والتعارف، وحرمة الدماء، وكرامة الإنسان، والإحسان، ورفع الظلم ليست تفاصيل هامشية، وإنما يمكن أن تُفهم باعتبارها من الأسس التي تنظم علاقة الإنسان بالإنسان.

ومن الآيات التي تفتح هذا الأفق قول الله تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾

فالكرامة هنا للإنسان، لا للون أو العرق أو اللغة أو القوة أو الجنسية.

ويقول تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾

وهذه الآية تفتح باباً مهماً لفكرة السلام: الاختلاف بين البشر ليس بالضرورة سبباً للصراع، بل يمكن أن يكون مدخلاً إلى التعارف والتعاون.

هنا تبدأ رسالة السلام

ومن هذا المنطلق يمكن فهم أهمية الجهود الفكرية والثقافية التي تقوم على إعادة توجيه الإنسان نحو السلام والرحمة واحترام الآخر، وهي من الأفكار التي تركز عليها مؤسسة رسالة السلام العالمية في رسالتها.

فالسلام ليس مجرد غياب الحرب.

السلام يبدأ من طريقة تفكير الإنسان.

ومن نظرته إلى الآخر.

ومن احترامه لكرامة الإنسان.

ومن رفضه تحويل الاختلاف إلى عداوة.

ومن رفض استخدام الدين ذريعة للعنف أو الاعتداء.

ومن هنا تلتقي التكنولوجيا مع الفكر الإنساني في نقطة مهمة:

التكنولوجيا تستطيع أن تمنح الإنسان قوة أكبر، لكن القيم هي التي تحدد كيف يستخدم الإنسان هذه القوة.

ماذا لو أصبح الروبوت أكثر إنسانية من الإنسان؟

تخيل روبوتاً يستطيع التعرف إلى الغضب في وجه الإنسان.

ويستطيع معرفة أن شخصاً أمامه يشعر بالخوف.

ويستطيع تحليل نبرة الصوت.

ويستطيع أن يختار كلماته وفق الحالة النفسية للشخص.

ثم تخيل أن هذا الروبوت مبرمج على احترام الإنسان وعدم إيذائه ومساعدة الضعيف والطفل وكبير السن.

في هذه الحالة تصبح التكنولوجيا أداة لخدمة الإنسان.

لكن تخيل العكس:

روبوت يمتلك القدرة نفسها، ولكن تمت برمجته على التمييز أو الإيذاء أو تنفيذ أوامر عدوانية.

هنا نكتشف حقيقة مهمة:

المشكلة ليست في الذكاء وحده، وإنما في القيم التي توجه الذكاء.

وهذا ينطبق على الإنسان أيضاً.

فالعقل البشري يستطيع أن يصنع الدواء، لكنه يستطيع أن يصنع السلاح.

ويستطيع أن يبني مستشفى، لكنه يستطيع أن يهدم مدينة.

ويستطيع أن يطور وسائل التواصل بين الشعوب، لكنه يستطيع أيضاً أن يستخدم التكنولوجيا لنشر الكراهية.

إذن:

كلما زادت القدرة، زادت الحاجة إلى الأخلاق.

أفكار علي محمد الشرفاء الحمادي: الإنسان قبل الصراع

وفي هذا السياق يمكن قراءة أفكار المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي باعتبارها محاولة لإعادة مركزية الإنسان والسلام والقيم القرآنية في الخطاب الفكري.

فالفكرة الأساسية التي يمكن أن يلتقي عندها هذا الطرح مع قضية التكنولوجيا هي أن القرآن ينبغي أن يكون مصدراً للقيم التي تحمي الإنسان، لا أداة لتبرير العنف أو الصراع.

وعندما نضع هذه الفكرة أمام التطور الهائل للذكاء الاصطناعي والروبوتات، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:

إذا كان الإنسان يطور آلات قادرة على محاكاة قدراته، فمن الذي يطور منظومة القيم التي ستوجه هذه القدرات؟

هذه ربما تكون واحدة من أهم قضايا القرن الحادي والعشرين.

من الروبوت الذكي إلى الإنسان الحكيم

قد نصل إلى مرحلة يصبح فيها الروبوت أكثر دقة من الإنسان في بعض العمليات الحسابية، وأكثر ثباتاً منه في بعض الأعمال، وأسرع منه في تحليل كميات هائلة من المعلومات.

وقد يستطيع الروبوت أن يتحرك بطريقة مذهلة، وربما يتفوق في بعض المهام البدنية على الإنسان.

لكن التفوق الحقيقي للإنسان لا ينبغي أن يقاس فقط بسرعة الحركة أو قوة الحساب.

إن قيمة الإنسان تظهر أيضاً في قدرته على:

الرحمة، والعفو، والإحسان، وتحمل المسؤولية، واحترام الآخر، وضبط القوة، واختيار السلام.

وهنا يمكن أن تتحول الروبوتات من مصدر خوف إلى فرصة للتأمل.

فكلما نجحنا في تقليد الإنسان آلياً، ازداد احتياجنا إلى أن نسأل:

ما الذي لا ينبغي أن نفقده ونحن نصنع الإنسان الآلي؟

البيوميكانيك… من تحسين الرياضي إلى تحسين الإنسان

وهنا تعود البيوميكانيك إلى الصورة.

فعلم البيوميكانيك بدأ من محاولة فهم حركة الإنسان وتحسين الأداء.

ثم أصبح جزءاً من صناعة الأطراف الصناعية والأجهزة المساعدة.

ثم دخل في الروبوتات.

واليوم يمكن أن يصبح جزءاً من منظومة أوسع تجمع:

Biomechanics + Artificial Intelligence + Robotics + Neuroscience + Human Values

والهدف النهائي ليس صناعة نسخة ميكانيكية من الإنسان.

بل استخدام هذه العلوم لفهم الإنسان بصورة أفضل، ومساعدته على تحسين صحته وحركته وأدائه وقدرته على التواصل والتعاون.

فالإنسان الذي يستطيع أن يفهم حركة جسده بصورة أفضل، يمكن أن يتحرك بصورة أكثر كفاءة.

والإنسان الذي يفهم قدراته العقلية يمكن أن يستخدمها بصورة أفضل.

والإنسان الذي يفهم الآخر يمكن أن يتعامل معه بصورة أفضل.

والإنسان الذي يؤمن بكرامة الإنسان يستطيع أن يجعل العلم والتكنولوجيا في خدمة الإنسان بدلاً من تحويلهما إلى أدوات للهيمنة عليه.

التكنولوجيا تحتاج إلى بوصلة

إن أكبر تحديات المستقبل ليست فقط:

هل نستطيع أن نصنع روبوتاً أكثر ذكاءً؟

بل:

لأي غرض سنستخدم هذا الذكاء؟

هل سيكون لخدمة الإنسان؟

أم للسيطرة عليه؟

هل سيستخدم لتقليل المعاناة؟

أم لزيادة القوة والصراع؟

هل سيقرب الشعوب من بعضها؟

أم سيخلق أشكالاً جديدة من التمييز؟

هنا تصبح القيم القرآنية، كما تُطرح في الخطاب الداعي إلى السلام والرحمة والعدل وكرامة الإنسان، ذات أهمية تتجاوز حدود الدين والثقافة إلى سؤال إنساني عالمي:

كيف نجعل التقدم العلمي في خدمة الإنسان؟

الخاتمة: الإنسان الذي يجب أن نحاكيه

ربما يكون أعظم درس يمكن أن تعلمنا إياه الروبوتات هو أن الإنسان أصبح قادراً على تقليد نفسه.

نحن نقلد يده.

نقلد ساقه.

نقلد عينه.

نقلد صوته.

نحاول تقليد وجهه.

نحاول فهم مشاعره.

ونحاول تعليم الآلة كيف تتصرف مثله.

لكن يبقى أمامنا تحدٍ أكبر:

هل نستطيع أن نرتقي بالإنسان نفسه حتى يصبح أكثر رحمة وعدلاً وسلاماً؟

إذا كانت التكنولوجيا تسعى إلى صناعة Humanoid يشبه الإنسان في الشكل والحركة، فإن رسالة السلام تسعى إلى بناء Human أكثر إنسانية في الفكر والسلوك.

وهنا تلتقي التكنولوجيا مع الفكر.

فالروبوت يمكن أن يحاكي الحركة.

والذكاء الاصطناعي يمكن أن يحاكي المعرفة.

والآلة يمكن أن تحاكي المظهر.

لكن السلام يحتاج إلى قيمة.

والعدل يحتاج إلى ضمير.

والرحمة تحتاج إلى إنسان.

وربما تكون أعظم رسالة في عصر الذكاء الاصطناعي ليست أن نصنع آلة تشبه الإنسان، وإنما أن نستخدم كل ما صنعناه من علم وتكنولوجيا لكي نحافظ على إنسانية الإنسان.

فالمستقبل الحقيقي ليس عندما يصبح الروبوت شبيهاً بالإنسان، بل عندما يصبح الإنسان أكثر استحقاقاً للإنسانية.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى