رؤى الشرفاء الحمادي

دراسة تحليلية: زيارة وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية إلى تركيا.. معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي والأنشطة فى أنقرة وقونية

إعداد: د. معتز صلاح الدين مستشار المركز الديمقراطي لدراسات الشرق الأوسط بنورث كارولينا

أولًا: الإطار العام للزيارة والمشاركة

تعتبر مشاركة مؤسسة رسالة السلام العالمية في معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي إحدى المحطات الرئيسية في برنامج موسع للمؤسسة داخل الجمهورية التركية، لم تقتصر أهدافه على المشاركة في فعالية ثقافية، وإنما امتدت إلى بناء جسور تواصل مع مؤسسات تعليمية وثقافية ودينية وأكاديمية واقتصادية ومجتمعية، إلى جانب التعريف بالمشروع الفكري للمؤسسة وإصدارات المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، مؤسس مؤسسة رسالة السلام العالمية.
وسبقت انطلاق فعاليات المعرض جولة تفقدية لقيادات المؤسسة، برئاسة الأستاذ مجدي طنطاوي، المدير العام، إلى جناح المؤسسة، للوقوف على الاستعدادات النهائية ومتابعة التجهيزات الخاصة بالمشاركة.
واكتسب اختيار إسطنبول دلالة خاصة بالنظر إلى مكانتها التاريخية والحضارية بوصفها مدينة شكلت عبر قرون نقطة التقاء بين ثقافات وحضارات متعددة، الأمر الذي أضفى على المشاركة بعدًا رمزيًا يتجاوز الإطار التقليدي للمعارض المتخصصة في الكتاب والنشر.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المشاركة في المعرض باعتبارها نقطة ارتكاز لبرنامج أوسع للتحرك المؤسسي والثقافي في تركيا، وهو ما تجسد لاحقًا في انتقال جزء من الوفد إلى أنقرة وقونية، إلى جانب استمرار اللقاءات والاتصالات في إسطنبول نفسها.

ثانيًا: جناح المؤسسة من مساحة عرض إلى منصة للحوار والتفاعل:
أظهر النشاط داخل جناح مؤسسة رسالة السلام العالمية توجهًا يتجاوز الوظيفة التقليدية لجناح الكتاب، من خلال الجمع بين عرض الإصدارات وفتح مساحات للحوار والتواصل المباشر مع الزوار والمشاركين في الفعاليات.
وفي هذا السياق، شهدت فعاليات المعرض توزيع عدد من مؤلفات المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي على المشاركين في ندوة «التواصل وبناء المجتمع وفق قيم القرآن الكريم»، ومن بينها كتاب «الطلاق يهدد أمن المجتمع»، إلى جانب مؤلفات أخرى صدرت بترجمات إلى التركية والإنجليزية ولغات أخرى.
ويعكس هذا النهج توجهًا نحو استخدام الكتاب باعتباره أداة للحوار الثقافي والفكري، وليس مجرد منتج للنشر والتوزيع، إذ ارتبط تقديم الإصدارات بالتعريف بالأفكار والقضايا التي تتناولها، وفتح المجال أمام تواصل مباشر مع جمهور متعدد الخلفيات.
ومن العناصر اللافتة في الجناح كذلك استخدام شاشة عرض لبث مجموعة من المواد المرئية باللغة التركية وصلت إلى 104 فيديوهات، تتناول أفكار ورؤى ومؤلفات المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي.
وقد أسهم هذا الجانب في إضفاء طابع تفاعلي على الجناح، وجذب اهتمام الزوار، إلى جانب إتاحة محتوى فكري باللغة المحلية.
وبذلك يمكن القول إن الجناح جمع بين ثلاث وظائف متكاملة: التعريف بالإصدارات، والتواصل الفكري المباشر، والاستفادة من الوسائط الرقمية في تقديم محتوى المؤسسة.
ثالثًا: اتساع دوائر التواصل وتنوع الجهات والشخصيات
تكشف اللقاءات التي شهدتها مشاركة المؤسسة في تركيا عن اتساع واضح في دوائر التواصل، بحيث لم يعد النشاط محصورًا في جمهور الكتاب ودور النشر، وإنما امتد إلى شخصيات ومؤسسات ذات طبيعة دينية وأكاديمية واقتصادية ومجتمعية وأمنية.
فعلى المستوى المؤسسي، استقبل الجناح الدكتور زكريا خلف، الأمين العام للكونجرس العربي الأمريكي والإسلامي في واشنطن، بما يعكس امتداد الاهتمام بأنشطة المؤسسة إلى شخصيات ومؤسسات ذات حضور عربي ودولي.
كما شهدت المشاركة لقاءً مع خالد الرحمي، ممثل وزارة الثقافة والرياضة والشباب في سلطنة عُمان، وأسفر اللقاء عن توجيه دعوة للمؤسسة للمشاركة في معرض الكتاب المقرر إقامته في سلطنة عُمان خلال شهر مارس المقبل.
وتمثل مثل هذه الدعوات مؤشرًا مهمًا على إمكانية انتقال النشاط الثقافي للمؤسسة من إطار المشاركة المحلية إلى توسيع شبكة حضورها في الفعاليات العربية والدولية.
وفي المجال الاقتصادي، التقى وفد المؤسسة رجل الأعمال التركي خليل إبراهيم أتاش، عضو الاتحاد الدولي لرجال الأعمال والمستثمرين بالخارج ورئيس مجلس إدارة شركة «لوبارس»، في إطار بحث فرص التعاون المشترك.
كما شهد جناح المؤسسة لقاءات مع عدد من أصحاب دور النشر في تركيا وأوروبا، من بينهم إبراهيم الرمادي، صاحب ومدير دار «حكاوي للنشر»، وزياد عبد الرحمن، صاحب دار «ابن كثير للنشر»، وغيرهما.
وتناولت هذه اللقاءات سبل تطوير التعاون في مجالات النشر والترجمة والطباعة وتبادل حقوق الكتب والتوزيع والتسويق.
ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة لأنه يفتح إمكانية تحويل التواصل الثقافي إلى شراكات عملية قابلة للتنفيذ.
رابعًا: البعد الفكري والديني لقاء رئيس وقف السليمانية
يمثل اللقاء الذي عقده وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية مع الأستاذ الدكتور عبد العزيز بايندر، رئيس وقف السليمانية في إسطنبول، أحد التطورات التي أضافت إلى الزيارة بعدًا فكريًا ودينيًا. وتجدر الإشارة إلى أن وقف السليمانية معروف باتجاهه القرآني الذي يقلّص من حجية السنة النبوية كمصدر تشريعي مستقل، وهو موقف خلافي داخل الأوساط السنية التقليدية؛ ولذلك يُعرض هذا اللقاء هنا كتواصل فكري مفتوح مع مؤسسة تركية معنية بالدراسات القرآنية، دون أن يعني ذلك تبني المؤسسة لموقف الوقف من السنة.
وجاء اللقاء عقب جولة تفقدية قام بها الوفد في مقر الوقف، وشهد نقاشًا موسعًا تناول عددًا من القضايا الفكرية والدينية، وفي مقدمتها قيم القرآن الكريم وآياته البينات، ودوره في معالجة أسباب الخلاف بين أبناء الأمة، وتعزيز وحدة الصف، وترسيخ قيم السلام والتعايش، ونبذ العنف والإرهاب والتطرف.
وأكد الأستاذ مجدي طنطاوي، المدير العام للمؤسسة ورئيس الوفد، أن العودة إلى القرآن الكريم وقيمه ومبادئه تمثل أساسًا مهمًا في مواجهة مظاهر الانقسام والتشدد، مشددًا على أهمية استلهام ما جاء في القرآن من قيم إنسانية وتشريعات ومبادئ سامية في معالجة القضايا التي تواجه المجتمعات والأمة.
كما تناول النقاش أهمية تعزيز الخطاب القرآني القائم على السلام والرحمة والعدل، بما يسهم في بناء جسور التفاهم والحد من أسباب الصراع وترسيخ ثقافة الحوار ونبذ الكراهية والعنف.
وتكتسب هذه المحطة أهميتها التحليلية من أنها نقلت رسالة المؤسسة إلى مساحة أكثر تخصصًا في الحوار الديني والفكري، وفتحت مجالًا للتواصل مع مؤسسة تركية معنية بالقضايا الإسلامية والفكرية.
كما تعكس طبيعة النقاش أن المشروع الفكري الذي تقدمه المؤسسة في تركيا لا يقوم فقط على التعريف بالكتب والإصدارات، وإنما يسعى إلى طرح رؤية بشأن العلاقة بين القيم القرآنية وإصلاح المجتمع ومواجهة أسباب العنف والانقسام.
ومن ثم، فإن هذا اللقاء يمثل حلقة مهمة بين النشاط الثقافي في معرض الكتاب والتحرك الفكري والديني خارج إطار المعرض.
خامسًا: البعد المجتمعي والأمني
لقاء مسؤول أمني في إسطنبول
أضاف استقبال أحد كبار المسؤولين الأمنيين في إسطنبول لوفد مؤسسة رسالة السلام العالمية على مأدبة إفطار بعدًا جديدًا إلى شبكة التواصل التي حصلت عليها المؤسسة خلال وجودها في تركيا “رئيس شرطة بلدية إسطنبول”
واتسم اللقاء بروح من الود والترحيب، وشهد حوارًا حول أهمية تعزيز قيم السلام والتعايش والتواصل الإنساني بين الشعوب.
واستعرض وفد المؤسسة جانبًا من رؤيتها وتحركاتها الدولية الهادفة إلى مد جسور الحوار والتواصل مع المؤسسات والشخصيات المؤثرة في مختلف دول العالم، ونشر ثقافة السلام القائمة على الحوار والتفاهم والتعاون بين أبناء الإنسانية.
كما تناول اللقاء أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به المؤسسات الثقافية والفكرية والمجتمعية في نشر خطاب إنساني يقوم على الرحمة والعدل والتسامح واحترام كرامة الإنسان، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار المجتمعي ومواجهة الأفكار التي تؤدي إلى الفرقة والتعصب والكراهية.
وتبرز أهمية هذه المحطة من منظور تحليلي في أنها توسع نطاق رسالة المؤسسة لتصل إلى دائرة مرتبطة بالأمن المجتمعي والاستقرار، بما يؤكد أن مفهوم السلام الذي تطرحه المؤسسة لا يقتصر على العلاقات بين الدول أو الحوار بين الثقافات، وإنما يمتد إلى بناء الوعي المجتمعي باعتباره أحد مقومات الوقاية من العنف والتطرف.
ومن هذه الزاوية، فإن هذا اللقاء يمثل مؤشرًا على اتساع دائرة الجهات التي يمكن أن تتفاعل مع رسالة المؤسسة، من المؤسسات الثقافية والدينية والأكاديمية إلى المؤسسات ذات الصلة بالأمن والاستقرار المجتمعي.
سادسًا: تكوين الوفد وأهمية توزيع المهام على مسارين
ضم وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية إلى تركيا عددًا من قيادات المؤسسة ومسؤوليها، برئاسة الأستاذ مجدي طنطاوي، المدير العام ورئيس الوفد، وعضوية خالد العوامي، نائب رئيس مجلس أمناء المؤسسة لشؤون الصحافة والتوثيق، والدكتور أحمد الشريف، المستشار العام للمؤسسة، والأستاذ عاطف زايد، رئيس الهيئة الاستشارية، والأستاذ أسامة إبراهيم، الأمين العام المؤسس والمشرف على جناح المؤسسة بالمعرض، والدكتور سامح عباس، منسق رحلة تركيا، والأستاذ هشام النجار، عضو مجلس أمناء المؤسسة، والأستاذ محمد الشنتناوي، أمين سر المؤسسة، والأستاذ محمد شيخ حسن، مدير مكتب المؤسسة في كندا.
واتسم تنظيم الزيارة بتوزيع أعضاء الوفد على مسارين متوازيين؛ الأول حافظ على الحضور المؤسسي للمؤسسة داخل جناح معرض إسطنبول الدولي للكتاب ومتابعة فعاليات المعرض، فيما تولى المسار الثاني تنفيذ جولات ميدانية في مدينتي أنقرة وقونية، برئاسة الأستاذ مجدي طنطاوي، ويرافقه الدكتور أحمد الشريف، والدكتور سامح عباس، والأستاذ هشام النجار، والأستاذ محمد الشنتناوي.
وشملت التحركات لقاءات مع رجال أعمال وشخصيات عامة ومؤسسات تعليمية وثقافية ودينية ومجتمعية.
ويعكس هذا التنظيم قدرًا من المرونة المؤسسية في إدارة الزيارة؛ إذ لم يُنظر إلى معرض إسطنبول باعتباره النشاط الوحيد، وإنما باعتباره قاعدة للتحرك نحو مدن تركية أخرى، بما يسمح بتوسيع نطاق التواصل والاستفادة من فترة الزيارة في تحقيق أهداف متعددة.
سابعًا: المسار الميداني أنقرة ثم قونية
1. أنقرة
شكّلت أنقرة المحطة الثانية في برنامج التحرك الميداني للوفد، حيث شهدت لقاءات وتبادلًا لرسائل السلام مع عدد من القيادات والشخصيات التركية الثقافية والفكرية والاقتصادية.
وتركز الخطاب الذي قدمه الوفد على رؤية مؤسسة رسالة السلام العالمية للسلام باعتباره مفهومًا يتجاوز الطابع الشعاري، ويرتبط ببناء الوعي وترسيخ قيم الرحمة والمحبة والتعايش ونبذ الكراهية والتعصب.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في سياق العمل الثقافي والفكري، إذ تنطلق المؤسسة من تصور يربط بين نشر قيم السلام وإعادة بناء الوعي الإنساني، باعتبار أن تحقيق السلام المستدام لا يرتبط فقط بالاتفاقات السياسية، وإنما يتطلب أيضًا معالجة الجوانب الفكرية والثقافية والاجتماعية.
2. قونية
شملت زيارة قونية برنامجًا متنوعًا جمع بين المؤسسات الدينية والتعليمية والأكاديمية، إلى جانب التواصل مع رجال الأعمال.
بدأ البرنامج بزيارة مؤسسة أئمة وخطباء تركيا (TİMAV – Türkiye İmam Hatipliler Vakfı)، في إطار توجه المؤسسة إلى تعزيز التواصل مع المؤسسات المعنية بالتعليم الديني والثقافة الإسلامية.
كما زار الوفد كلية أحمد كليتش أوغلو للإلهيات بجامعة نجم الدين أربكان، والتقى عميد الكلية البروفيسور الدكتور كامل غونيش (Prof. Dr. Kamil Güneş)، في إطار استكمال البرنامج الأكاديمي للزيارة والتعريف بأهداف المؤسسة ومشروعها الفكري.
وشملت الجولة كذلك زيارة مدرسة الفلاح للعلوم الشرعية ودراسات القرآن، حيث التقى الوفد الشيخ محمد صالح الغرسي، وتناول اللقاء سبل تعزيز التواصل مع المؤسسات العلمية والدينية.
وفي سياق التعليم القرآني، زار الوفد مدرسة محمود سامي رمضان التابعة لمدارس الأئمة والخطباء، وأعلن استعداد مؤسسة رسالة السلام العالمية لإمداد المدرسة بعدد من المناهج والمواد التعليمية التي أعدتها المؤسسة في مجال تعليم القرآن الكريم.
كما عقد الوفد لقاءً مع مجموعة من رجال الأعمال الأتراك في قونية، في إطار السعي إلى بناء علاقات مؤسسية ممتدة يمكن أن تتطور مستقبلًا إلى مجالات تعاون ومبادرات مشتركة.
وتكشف طبيعة المؤسسات التي شملتها الجولة في قونية عن تعدد مستويات التواصل؛ من مؤسسة دينية متخصصة، إلى مؤسسة أكاديمية جامعية، ثم مدارس للتعليم الديني والقرآني، وصولًا إلى القطاع الاقتصادي.
ويشير هذا التنوع إلى محاولة بناء شبكة علاقات متعددة المستويات بدلًا من الاقتصار على مسار واحد من مسارات التعاون.
ثامنًا: القراءة التحليلية للدلالات الاستراتيجية للزيارة
يمكن قراءة الزيارة من خلال ستة أبعاد رئيسية:
البعد الثقافي والفكري: تمثل المشاركة في معرض إسطنبول منصة للتعريف بإصدارات مؤسسة رسالة السلام العالمية وبالمشروع الفكري للمفكر علي محمد الشرفاء الحمادي، مع توسيع دائرة التواصل مع الجمهور والقراء والكتاب ودور النشر.
البعد الديني والقرآني: أضاف لقاء رئيس وقف السليمانية بعدًا مهمًا يتمثل في طرح القيم القرآنية باعتبارها مدخلًا للحوار ومعالجة أسباب الانقسام والعنف والتطرف، وهو ما ينسجم مع جوهر المشروع الفكري الذي تتبناه المؤسسة.
البعد الأكاديمي والتعليمي: ظهر بوضوح من خلال اللقاءات في قونية مع المؤسسات التعليمية والأكاديمية والمدارس المعنية بالتعليم الديني والقرآني، وما تضمنته الزيارة من استعداد المؤسسة للمساهمة في توفير مواد تعليمية قرآنية.
البعد المجتمعي والأمني: يبرز من خلال لقاء المسؤول الأمني في إسطنبول، حيث جرى الربط بين ثقافة السلام والأمن المجتمعي ومواجهة العنف والتطرف والكراهية. ويعكس ذلك اتساع نطاق رسالة المؤسسة من المجال الثقافي إلى قضايا الاستقرار المجتمعي.
البعد الاقتصادي والتنفيذي: أظهرت لقاءات رجال الأعمال وأصحاب دور النشر اهتمامًا بالانتقال من عرض الأفكار إلى بحث مجالات عملية للتعاون، مثل النشر والترجمة والطباعة والتوزيع، فضلًا عن إمكانية تطوير علاقات مع القطاع الخاص.
البعد الدولي والمؤسسي المستدام: ساهم وجود شخصيات ومؤسسات من خارج تركيا، إلى جانب الدعوة للمشاركة في معرض الكتاب بسلطنة عُمان، في منح التحرك بعدًا يتجاوز الإطار التركي.
وفي الوقت نفسه، فإن الاتجاه إلى إنشاء مكتب لمؤسسة رسالة السلام العالمية في تركيا يمثل تطورًا نوعيًا، لأنه يوفر إطارًا لاستمرار الاتصالات والعلاقات التي تأسست خلال الزيارة، وتحويلها إلى برامج وشراكات ومبادرات قابلة للمتابعة والتنفيذ.
وبذلك يمكن النظر إلى الزيارة باعتبارها نموذجًا لتحرك مؤسسي متعدد المستويات يجمع بين القوة الناعمة للكتاب والفكر، والحوار الديني، والتواصل الأكاديمي، والعلاقات الاقتصادية، والانفتاح المجتمعي، والتواصل مع المؤسسات ذات الصلة بالأمن والاستقرار.
تاسعًا: حوار فكري مع ممثلي البروفيسور مصطفى إسلام أوغلو حول قضايا مشتركة
يمثل اللقاء الذي عقده وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية في إسطنبول مع النائب الأول للمفكر التركي البروفيسور مصطفى إسلام أوغلو وعدد من معاونيه محطة فكرية أخرى في برنامج زيارة المؤسسة إلى تركيا؛ إذ تجاوز اللقاء إطار التعارف المؤسسي التقليدي إلى حوار حول عدد من القضايا الفكرية والإنسانية المعاصرة. وتجدر الإشارة إلى أن إسلام أوغلو معروف بتوجه إصلاحي قرآني يقلّص هو الآخر من حجية السنة كمصدر تشريعي مستقل، وهو موقف محل جدل واسع في الأوساط السنية التقليدية؛ ولذلك يُعرض هذا اللقاء كحوار فكري مفتوح حول قضايا مشتركة
وضم وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية في هذا اللقاء الأستاذ هشام النجار، عضو مجلس أمناء المؤسسة، والأستاذ أسامة إبراهيم، الأمين العام المؤسس، والأستاذ أيمن منصور من موقع «التنوير» الصادر عن المؤسسة. وقدم الوفد عرضًا حول رسالة المؤسسة وأهدافها وأنشطتها، والدور الذي تقوم به في التعريف بالمشروع الفكري للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، ونشر رؤاه الداعية إلى السلام والرحمة والعدل والارتقاء بالإنسان.
وشهد اللقاء حوارًا حول مجموعة من القضايا الفكرية التي تواجه المجتمعات في المرحلة الراهنة، وفي مقدمتها أهمية إعمال العقل في قراءة القضايا الدينية، ومراجعة الموروثات والاجتهادات البشرية في ضوء القيم القرآنية العليا، وتحرير الإنسان من أسر الصراعات التاريخية، وترسيخ ثقافة التعاون والسلام واحترام الكرامة الإنسانية.
وفي هذا السياق، استعرض الأستاذ هشام النجار المرتكزات الأساسية في المشروع الفكري للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، موضحًا أن جوهر هذا المشروع ينطلق من القرآن الكريم باعتباره المرجعية الأساسية التي تقدم للإنسان منظومة من القيم والمبادئ والتشريعات القادرة على تنظيم علاقته بخالقه، وبنفسه، وبالآخر، وبالمجتمع والإنسانية بصورة عامة.
وأوضح النجار أن مشروع الشرفاء الحمادي لا يقتصر على تشخيص الأزمات التي تواجه المجتمعات الإسلامية والإنسانية، وإنما يسعى إلى تقديم رؤية فكرية وإنسانية متكاملة تقوم على إعادة الاعتبار للقيم القرآنية في بناء الإنسان والمجتمع، وعلى الانتقال من مرحلة الصراع التاريخي إلى مرحلة جديدة تُوظف فيها المعرفة والعلم والإمكانات البشرية في خدمة الإنسان وصناعة مستقبله.
وأكد أن من أبرز مرتكزات هذا المشروع الدعوة إلى تجاوز قرون الصراع والاقتتال والانقسام بين الإنسان وأخيه الإنسان، وعدم إبقاء الأجيال المعاصرة أسيرة لخلافات وصراعات تاريخية وقعت في ظروف وسياقات مغايرة، بما يسمح بفتح صفحة جديدة تقوم على التعارف والتعاون والمصلحة الإنسانية المشتركة.
كما تناول اللقاء رؤية الأستاذ الشرفاء الحمادي بشأن توظيف العلم والمعرفة، حيث أوضح النجار أن المشروع يدعو إلى تحويل الإمكانات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية الهائلة التي بلغتها البشرية من أدوات للتنافس والصراع والسيطرة إلى أدوات للعمران والتنمية وتحقيق الرفاهية وصون كرامة الإنسان.
وتتصل هذه الرؤية بالمنظور القرآني الذي يؤكد قيم التعاون والبر والإحسان والعدل والرحمة، بما يجعل المعرفة وسيلة لبناء الحضارة وخدمة الإنسان، وليس سببًا في زيادة الصراعات أو تعميق الفوارق بين الشعوب.
وتناول النقاش كذلك مفهوم التشريع الإلهي في المشروع الفكري للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، حيث أوضح النجار وجود تمييز بين ما جاء به القرآن الكريم من قيم ومبادئ وتشريعات، وبين ما تراكم عبر التاريخ من اجتهادات بشرية وموروثات فقهية وفكرية وتاريخية.
ووفقًا لهذا الطرح، فإن العودة إلى القرآن لا تعني مجرد استعادة النص، وإنما تعني استلهام مقاصده وقيمه العليا في تنظيم العلاقات بين الأفراد والمجتمعات والدول، وفي مقدمتها الرحمة والعدل والحرية والسلام والتعاون وحماية حياة الإنسان وكرامته.
كما أوضح النجار أن المشروع الفكري للشرفاء الحمادي يدعو إلى مراجعة كل طرح بشري يتعارض مع القيم القرآنية العليا، وعدم إضفاء القداسة على اجتهادات البشر، انطلاقًا من أن النص الإلهي يظل مرجعية عليا، بينما تظل الاجتهادات البشرية قابلة للمراجعة والنقد والتصويب في ضوء تغير الظروف والمعارف والسياقات التاريخية.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة من الناحية التحليلية؛ لأنها تجعل العودة إلى القرآن في مشروع مؤسسة رسالة السلام العالمية مرتبطة بإعادة بناء العقل، وليس بالانعزال عن العصر أو رفض منجزات الحضارة الحديثة. فالعودة إلى القرآن، وفق هذا التصور، ترتبط بإطلاق طاقات البحث والعلم والإبداع، والتفاعل الإيجابي مع المعرفة الإنسانية، وتوجيهها نحو تحقيق الخير العام وصون حقوق الإنسان وكرامته.
وتوقف الحوار عند قضية مركزية أخرى في فكر الأستاذ الشرفاء الحمادي، تتمثل في ضرورة طي صفحات الصراعات التاريخية بين الشعوب والأديان والمذاهب والأمم، وعدم السماح للماضي بأن يتحول إلى وقود لصراعات جديدة بين الأجيال المعاصرة.
ومن المنظور التحليلي، يمثل هذا الطرح أحد الجسور التي يمكن أن تلتقي عندها مشاريع فكرية مختلفة؛ إذ ينطلق من مبدأ أن الإنسان المعاصر لا ينبغي أن يتحمل مسؤولية صراعات لم يصنعها، وأن بناء المستقبل يتطلب تحرير الوعي من ثقل الكراهية التاريخية وإعادة تعريف العلاقة بين البشر على أساس التعارف والتعاون والمصلحة المشتركة.
وفي هذا الإطار، أكد وفد المؤسسة أن العالم يمتلك اليوم من العلم والتكنولوجيا والموارد ما يؤهله لصناعة نهضة إنسانية غير مسبوقة، إذا نجح في تحويل هذه الإمكانات من أدوات للصراع إلى وسائل للتنمية ومكافحة الفقر والجهل والمرض، وتحسين نوعية الحياة وحماية الإنسان.
ومن جانبه، استعرض الأستاذ أسامة إبراهيم جانبًا من أنشطة مؤسسة رسالة السلام العالمية وتحركاتها الثقافية والفكرية، موضحًا طبيعة مشاركة المؤسسة في معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي، والفعاليات واللقاءات التي عقدها الوفد على هامش المعرض، إلى جانب مشاركات المؤسسة في معارض الكتب والملتقيات والفعاليات الثقافية والفكرية في عدد من دول العالم.
وأوضح أن معارض الكتب بالنسبة للمؤسسة لا تمثل مجرد مساحات لعرض الإصدارات، وإنما تشكل منصات للحوار والتواصل مع المفكرين والباحثين والجامعات والمؤسسات الثقافية والمجتمعية، وبناء شبكات من العلاقات يمكن أن تتحول لاحقًا إلى مشروعات فكرية وثقافية مشتركة.
كما تناول جهود المؤسسة في التعريف بمؤلفات الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي ورؤاه، والوصول بها إلى قطاعات أوسع من القراء والباحثين والمثقفين، وفتح قنوات للحوار مع المدارس الفكرية المختلفة التي تتقاطع مع المشروع في بعض أهدافه ومبادئه.
نقاط الالتقاء والحدود الفكرية بين الطرفين
شكّل هذا الجانب من اللقاء محورًا مهمًا في التحليل؛ إذ جرى بحث نقاط الالتقاء بين المشروع الفكري للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي وبين أطروحات البروفيسور مصطفى إسلام أوغلو، خاصة فيما يتعلق بمركزية القرآن الكريم في عملية الإصلاح الفكري، وضرورة إعمال العقل، ومراجعة الموروث. غير أن هذا الالتقاء يبقى محدودًا بحكم اختلاف موقف الطرفين من حجية السنة النبوية، وهو خلاف جوهري لا ينبغي التقليل من شأنه عند تقييم عمق هذا التقارب.
ويُعرف مصطفى إسلام أوغلو باهتمامه بالدراسات القرآنية والعمل الفكري والتعليمي في تركيا، وهو ما يجعل التواصل معه ذا دلالة خاصة بالنسبة لمؤسسة تتبنى مشروعًا فكريًا يضع القرآن الكريم في مركز عملية الإصلاح وبناء الوعي، مع بقاء الحاجة إلى توضيح هذا الفارق العقدي بوضوح كلما جرى الحديث عن هذا التواصل أمام جمهور سني تقليدي.
ومن الناحية المؤسسية، يمثل هذا النوع من التواصل تطورًا في مسار المؤسسة داخل تركيا؛ لأنه يفتح المجال للانتقال من مرحلة التعريف بالمشروع الفكري إلى مرحلة الحوار المباشر مع تيارات وشخصيات ذات حضور في المجال الفكري والديني التركي.
من التعارف الفكري إلى إمكانية التعاون المؤسسي
أسهم وضوح بعض نقاط الالتقاء في فتح نقاش حول إمكانية الانتقال من مرحلة التعارف الفكري إلى مرحلة تعاون مؤسسي محدود ومدروس، بما يسمح بتبادل الأفكار والخبرات في نطاق يراعي الفوارق العقدية بين الطرفين.
وأبدى الجانب التركي خلال اللقاء ترحيبًا بالتواصل مع مؤسسة رسالة السلام العالمية، معبرًا عن تقديره لما تم عرضه من أفكار ورؤى للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي.
كما أبدى ممثلو الجانب المرتبط بالبروفيسور مصطفى إسلام أوغلو استعدادًا لمواصلة هذا التواصل، مع بدء التنسيق بشأن الخطوات والترتيبات اللازمة لذلك.
ونوقشت مجموعة من التصورات الأولية التي يمكن البناء عليها مستقبلًا، ومن بينها تنظيم لقاءات فكرية وحلقات نقاش، وتبادل المؤلفات والدراسات، والتعاون في مجالات الترجمة والنشر، على أن يخضع أي تعاون مؤسسي رسمي لموافقة مؤسسة رسالة السلام العالمية.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى