«المدن الإفريقية العائمة: الرهان العمراني الجريء لمواجهة زحف التغير المناخي»

رامي زُهدي- خبير الشؤون الإفريقية، نائب رئيس مركز العرب للأبحاث، مساعد رئيس حزب الوعي
مع تسارع وتيرة التغيرات المناخية، وارتفاع منسوب المياه في البحار والأنهار، باتت المدن الساحلية الإفريقية في قلب العاصفة. ملايين السكان في دكار، لاجوس، دار السلام، الإسكندرية، وكيب تاون مهددون بخطر الغرق، في وقت تتصاعد فيه تحديات الهجرة المناخية، والتوسع العشوائي، وندرة الأراضي الآمنة. في ظل هذا الواقع الضاغط، برزت فكرة “المدن العائمة” ليس بوصفها رفاهًا معمارية أو تصورات خيالية، بل كخيار وجودي وضرورة تنموية للقارة الإفريقية.
فهل تكون المدن العائمة هي الخط الدفاعي الأول لإفريقيا في وجه التغير المناخي؟ وهل تملك القارة ما يكفي من الإرادة والتمويل والمعرفة لتحويل هذه الفكرة إلى واقع ملموس؟
“التغير المناخي يضرب البنية العمرانية لإفريقيا”
وفقًا لتقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، فإن إفريقيا تُعد من أكثر القارات هشاشة أمام تداعيات تغير المناخ.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 110 مليون إفريقي يسكنون في مناطق ساحلية منخفضة معرضة للغرق بحلول عام 2050.
ارتفع منسوب سطح البحر على طول السواحل الإفريقية بمعدل يتراوح بين 3 إلى 5 ملم سنويًا، وهو أعلى من المتوسط العالمي في بعض المناطق.
المدن الكبرى مثل لاجوس، أبيدجان، ودار السلام تشهد فيضانات دورية تُهدد بنيتها التحتية وتُشرد السكان.
“المدن العائمة… من الخيال إلى التنفيذ”
المفهوم باختصار:
المدينة العائمة هي مجتمعات عمرانية مبنية فوق سطح الماء، تستند إلى وحدات إنشائية طافية تُقاوم ارتفاع منسوب المياه، وتدمج حلولًا بيئية وتكنولوجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي في الطاقة والغذاء وإدارة المياه.
نماذج عالمية ملهمة:
“أوشنكس” Oceanix في كوريا الجنوبية: أول مشروع مدينة عائمة تدعمه الأمم المتحدة، يُخطط لإيواء 10 آلاف شخص بتقنيات مستدامة.
هولندا: دولة رائدة في تطوير المساكن العائمة، ويجري فيها دمج هذا النموذج ضمن خطط المدن الذكية.
في إفريقيا:
نيجيريا دشنت نموذج “المدرسة العائمة في ماكوكو” من تصميم المعماري النيجيري “كونلي أدييمي”، وهي تجربة أولية تُبرز أهمية التوطين المحلي لحلول المدن الطافية.
كينيا وتنزانيا تدرسان خططًا لبناء مجتمعات عائمة في بحيرة فيكتوريا وبحيرة توركانا ضمن مقاربات استباقية.
” لماذا المدن العائمة فرصة استراتيجية لإفريقيا؟”
. استجابة مناعية حضرية لأزمة المناخ
المدن العائمة تُوفر خيارًا مرنًا للتوسع العمراني في ظل تقلص الأراضي الصالحة للسكن.
تعتمد على بنية مقاومة للفيضانات والرياح والعواصف، ما يجعلها خيارًا أكثر أمانًا من المدن التقليدية الساحلية.
. حافز لنقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي
دخول إفريقيا في سوق تقنيات المدن العائمة (مواد البناء الخفيفة، الهندسة المائية، نظم الطاقة المتجددة) يُعزز استقلالها الصناعي.
يمكن ربط الجامعات ومراكز البحوث الإفريقية بشبكات المعرفة العالمية لتطوير نماذج محلية أقل كلفة وأكثر توافقًا مع البيئة المحلية.
. أداة للتنمية الشاملة وإعادة التوزيع السكاني
المدن العائمة قد تكون ملاذًا للفقراء والمهمشين الذين يسكنون في الأحياء العشوائية الساحلية، ما يُعيد توزيع السكان بطرق حضارية.
توفر هذه المدن فرص عمل في قطاعات البناء المستدام، الطاقة، الزراعة المائية، والصناعات الخفيفة.
“التحديات التي تواجه القارة في تبني هذا النموذج”
– التمويل:
تشير الدراسات إلى أن تكلفة بناء مدينة عائمة متوسطة قد تتراوح بين 500 مليون إلى 2 مليار دولار. وهو ما يتطلب:
نماذج تمويل مبتكرة تجمع بين القطاع العام والخاص والمؤسسات التنموية.
تحفيز صناديق المناخ العالمية مثل “الصندوق الأخضر للمناخ” و”صندوق التكيف” لتمويل المدن الطافية بوصفها حلولًا مناخية قابلة للتوسع.
– الإطار القانوني والتنظيمي:
أغلب دساتير وتشريعات الدول الإفريقية لم تُهيئ بعد لاحتواء مفهوم “الأرض فوق الماء”، ما يتطلب تعديل القوانين العقارية والبلدية.
– القبول المجتمعي والثقافي:
من المهم كسب ثقة المواطنين في هذه التجارب غير التقليدية، خاصة في بيئات لا تزال متشككة تجاه الابتكار العمراني.
” مصر كقوة رائدة… هل تدخل السباق؟”
كمثال على القدرة الإفريقية على صناعة مدن جديدة من الصفر، تبرز تجربة العاصمة الإدارية الجديدة في مصر كأحد أبرز النماذج القارية في التخطيط الحضري الذكي.
تمتلك مصر بنية تحتية هندسية وإنشائية متقدمة تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا لنقل وتوطين تكنولوجيا المدن العائمة.
يمكن للقاهرة أن تُطلق مبادرة إفريقية تحت مظلة الاتحاد الإفريقي تُعنى بإنشاء مدن عائمة نموذجية بالتعاون مع شركاء دوليين.
تطوير نماذج أولية على ضفاف بحيرة ناصر، أو بحيرة البرلس، أو مناطق دلتا النيل المهددة قد يكون مثالًا حيًا على التطبيق المحلي.
“توصيات استراتيجية لصناع القرار الإفريقي”
. إدماج المدن العائمة في الأجندات الوطنية للمناخ والعمران.
. إنشاء صندوق قاري للمدن المناخية المستدامة يموّل مشروعات المدن العائمة.
. دعم الشراكات البحثية مع الجامعات والمراكز المتخصصة عالميًا في الهندسة البحرية والاستدامة.
. تقديم حوافز استثمارية لشركات البناء الأخضر والطاقة المتجددة لتطوير هذه المدن.
. إطلاق حملات توعية وتثقيف عمراني حول مستقبل الحياة فوق الماء.
“إفريقيا ترفض الغرق… وتختار أن تطفو”
إن المدن العائمة ليست مجرد طموح معماري، بل هي تمرد حضاري على الواقع المناخي القاسي. إنها دعوة لأن تُفكر إفريقيا في المستقبل بعيون مبتكرة، وتُعيد صياغة علاقتها بالماء، لا بوصفه خطرًا، بل بيئة للسكن والتنمية.
إفريقيا قادرة، إن أرادت، أن تُحوّل طوفان التحديات إلى موجات من الفرص، وأن تُبحر بأحلامها فوق الماء، بدلًا من أن تُغرقها الأمواج الصاعدة.
مراجع ومصادر:
1. Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC)
Sixth Assessment Report (2022): Africa Regional Factsheet
https://www.ipcc.ch
2. United Nations Environment Programme (UNEP)
Cities and Climate Change in Africa – Policy Brief, 2021
https://www.unep.org
3. World Bank
Coastal Cities and Climate Change in Africa – Data & Policy Tools
https://www.worldbank.org/en/topic/urbandevelopment
4. UN-Habitat
Floating Cities: An Alternative for Rising Sea Levels – 2022 Report
https://unhabitat.org



