مقالات

الدكتور سيد عيسى يكتب.. السيسي وإعادة بناء تماسك الأسر المصرية

في لحظة تتشابك فيها التحديات الاقتصادية مع التحولات الاجتماعية، يبرز ملف الأسرة المصرية بوصفه إحدى أهم ركائز الأمن المجتمعي؛ ليس فقط باعتباره وحدة اجتماعية، بل كخط الدفاع الأول في مواجهة التفكك القيمي والاضطراب السلوكي. وفي هذا السياق، تأتي التوجيهات الأخيرة الصادرة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن قانون الأحوال الشخصية، لتفتح بابًا واسعًا لإعادة النظر في البنية التشريعية المنظمة للعلاقات الأسرية، بما يحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، ويحفظ تماسك المجتمع.

إن الحديث عن قانون الأحوال الشخصية في مصر ليس مجرد نقاش قانوني؛ بل هو في جوهره نقاش حضاري يمس بنية المجتمع ذاته. فالقانون الحالي، رغم ما شهده من تعديلات، لا يزال يعكس في كثير من مواده واقعًا اجتماعيًا تجاوزه الزمن، في ظل تغيرات عميقة طالت أنماط الحياة، ودور المرأة، وتحديات تربية الأبناء، وتزايد معدلات الطلاق.

من هنا، يمكن فهم توجيهات القيادة السياسية باعتبارها استجابة واعية لهذه التحولات، وسعيًا لبناء إطار قانوني أكثر عدالة ومرونة، يراعي مصلحة الطفل أولًا، ويضمن استقرار العلاقة بين الزوجين، حتى في حالات الانفصال. فالفلسفة الجديدة التي يُراد ترسيخها تقوم على فكرة “تقليل الخسائر” بدلًا من إدارة الصراع، وهو تحول نوعي في التفكير التشريعي.

لقد حرص الرئيس على التأكيد في أكثر من مناسبة، على أن استقرار الأسرة هو أساس استقرار الدولة، وأن أي خلل في هذا البناء سينعكس بالضرورة على المجتمع ككل. هذه الرؤية تتجاوز البعد الأخلاقي إلى بعد استراتيجي، حيث ترتبط قضايا؛ مثل التعليم، والانحراف، والعنف، وحتى الإنتاجية الاقتصادية، بشكل مباشر بجودة البيئة الأسرية.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية إعادة التوازن في العلاقة بين الأب والأم بعد الطلاق، خصوصًا فيما يتعلق بحقوق الرؤية والاستضافة، بما يضمن بقاء الطفل في دائرة رعاية مشتركة، بعيدًا عن الصراعات التي قد تحوّله إلى ضحية. كما أن ضبط مسألة النفقة، وربطها بآليات تنفيذ أكثر فاعلية، يمثلان خطوة ضرورية لضمان العدالة وعدم تحميل طرف دون الآخر أعباء غير متكافئة.

لكن الإصلاح التشريعي، رغم أهميته، لا يكفي وحده؛فإعادة بناء تماسك الأسرة تتطلب أيضًا جهدًا ثقافيًا وتوعويًا، يعيد الاعتبار لقيم الحوار، والمسؤولية المشتركة، والاحترام المتبادل. فالقانون يمكنه أن ينظم العلاقات، لكنه لا يستطيع أن يخلق المودة، وهي مسؤولية المجتمع بكل مؤسساته، من التعليم إلى الإعلام.

كما أن التحولات الاقتصادية تلعب دورًا لا يمكن تجاهله في استقرار الأسرة؛ فارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط الحياة اليومية، قد تسهم في تصاعد التوترات داخل البيوت. ومن هنا، فإن أي رؤية شاملة لتعزيز التماسك الأسري يجب أن تتكامل مع سياسات اقتصادية واجتماعية تخفف من هذه الضغوط، وتوفر بيئة أكثر استقرارًا.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو توجيهات الرئيس بشأن قانون الأحوال الشخصية، جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء الإنسان المصري، عبر ترسيخ منظومة قيمية متماسكة تبدأ من الأسرة. هذا المشروع لا يستهدف فقط معالجة الأزمات الحالية؛ بل يسعى إلى الوقاية منها، عبر بناء جيل أكثر توازنًا وقدرة على التكيف.

ولا شك أن النقاش المجتمعي حول القانون الجديد يمثل فرصة لإشراك مختلف الأطراف، من خبراء وقانونيين ورجال دين ومؤسسات مجتمع مدني، للوصول إلى صيغة توافقية تعكس خصوصية المجتمع المصري، وتحافظ في الوقت ذاته على حقوق جميع الأطراف.

في المحصلة، يمكن القول إن الرهان على الأسرة هو رهان على المستقبل. فالدول لا تُبنى فقط بالمشروعات الكبرى؛ بل أيضًا بالبيوت المستقرة التي تُخرّج أجيالًا قادرة على البناء والعطاء. ومن هنا، فإن أي جهد يُبذل لتعزيز تماسك الأسرة، هو في جوهره استثمار في أمن مصر واستقرارها.

إن ما نشهده اليوم من اهتمام متزايد بهذا الملف، يعكس إدراكًا عميقًا بأن قوة الدولة تبدأ من الداخل، من تلك الوحدة الصغيرة التي تُسمى “الأسرة”. وإذا نجحت مصر في إعادة بناء هذا التماسك، فإنها لا تحمي حاضرها فحسب؛ بل تؤسس لمستقبل أكثر صلابة واتزانًا.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى