مقالات

الدكتور رضا عبد السلام يكتب: الحرية والديمقراطية في القرآن الكريم ..مبادىء إلهية سبقت الدساتير الوضعية

بمناسبة الانتصار الملفت للمسلمين في الانتخابات الأمريكية والأوروبية مؤخرا، وحديث الحائز علي جائزة نوبل في الكيمياء عن إعجاز القرآن الكريم والذي لم يستثمره المسلمون….فأين الحقيقة؟!

من القضايا التي تستحق التأمل والتدبر أن كثيراً من المبادئ التي تتغنى بها الديمقراطيات المعاصرة، وتعتبرها البشرية من أهم مكتسباتها الحضارية، نجد لها أصولاً واضحة في القرآن الكريم، الذي قررها منذ أكثر من أربعة عشر قرناً.

فالحرية، وكرامة الإنسان، والمساواة، وحرية الاعتقاد، ورفض الإكراه، والعدل، والشورى، وحرية الاختيار، واحترام التنوع والاختلاف، ومقاومة الطغيان والاستبداد؛ ليست قيماً طارئة على الفكر الإسلامي، ولا أفكاراً استوردتها المجتمعات الإسلامية من الحضارة الغربية، وإنما هي مبادئ أصيلة نجدها في النص القرآني.

ولعل المدهش حقاً أن القرآن الكريم لم يكتفِ بتقرير هذه المبادئ باعتبارها حقوقاً للإنسان، وإنما جعل كثيراً منها أوامر إلهية وقيماً أخلاقية تحكم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وعلاقة الحاكم بالمحكوم.

أولاً: حرية الاعتقاد.. لا إكراه في الدين.

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: 256).

﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 99).

إن حرية الاعتقاد من أرقى الحقوق الإنسانية التي عرفتها الدساتير الحديثة، لكن القرآن قرر هذا المبدأ بوضوح، وجعل الإيمان اختياراً واقتناعاً لا إكراهاً وإجباراً.

ثانياً: حرية الاختيار.. الإنسان ليس عبداً لإرادة غيره.

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: 29).

إنها دلالة واضحة على مسؤولية الإنسان عن اختياره، وعلى أن الإيمان لا يقوم على مصادرة الإرادة الإنسانية.

ثالثاً: كرامة الإنسان والمساواة بين البشر.

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70).

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13).

لم يقصر القرآن الكرامة على جنس أو عرق أو لون أو انتماء، بل جعلها تكريماً لبني آدم جميعاً. وهو أساس إنساني عظيم لفكرة المساواة والحقوق المتأصلة في الإنسان.

رابعاً: المساواة أمام القانون وسيادة العدل.

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58).

﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135).

فالعدل لا يتجزأ، ولا يتغير بتغير مكانة الإنسان أو سلطته أو ثروته أو انتمائه. وهي القاعدة التي تقوم عليها دولة القانون الحديثة.

خامساً: الشورى والمشاركة الشعبية في إدارة شؤون الحكم.

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38).

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159).

إن مبدأ الشورى يرفض انفراد شخص واحد بالقرار، ويؤسس لمشاركة الجماعة في إدارة شؤونها. وهو ما يمثل أساساً فكرياً مهماً للمؤسسات الديمقراطية والتمثيل النيابي.

سادساً: حرية الرأي والتعبير وتعددية الأفكار.

﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (الزمر: 18).

﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125).

فالقرآن لا يدعو إلى إلغاء الاختلاف، بل إلى الاستماع والحوار والمناقشة، وإعمال العقل في اختيار الأحسن.

سابعاً: رفض الاستبداد والطغيان.

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾ (القصص: 4).

إنها إدانة قرآنية واضحة للاستعلاء السياسي، وتقسيم المجتمع، واستضعاف فئاته، واحتكار القوة والسلطة.

ثامناً: احترام التنوع والتعددية الإنسانية.

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود: 118).

فالاختلاف سنة إنسانية، وليس مبرراً للاضطهاد أو الإقصاء أو الاعتداء على الحقوق.

وأخيراً.. ماذا يعني كل ذلك؟

إننا عندما نتأمل هذه النصوص وغيرها، نجد أنفسنا أمام منظومة متكاملة من المبادئ التي تشكل اليوم جوهر الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة.

والمقارنة هنا ليست أن القرآن وضع دستوراً سياسياً تفصيلياً بالمفهوم الحديث، وإنما هي مقارنة بين المبادئ المؤسسة للحقوق والحريات في القرآن وبين ما انتهت إليه البشرية في دساتيرها ومواثيقها الحديثة والمتأخرة.

ولذلك فإن من حقنا أن نتساءل: كيف يمكن أن يُتهم الإسلام بمعاداة الحرية والديمقراطية، بينما نجد في كتابه الكريم هذا القدر من الانحياز لكرامة الإنسان وحريته وحقه في الاختيار، والدعوة إلى العدل والشورى ورفض الاستبداد؟

إن الدساتير الوضعية الحديثة لم تخلق هذه القيم من العدم، بل جاءت ثمرة تطور طويل في الفكر الإنساني والنضال السياسي والاجتماعي من أجل انتزاع الحقوق والحريات وتكريسها في مؤسسات وقوانين ملزمة.

أما القرآن الكريم فقد قرر كثيراً من هذه المبادئ منذ أربعة عشر قرناً، وجعلها جزءاً من منظومة إلهية وأخلاقية لا تتوقف مشروعيتها على إرادة حاكم أو موافقة أغلبية عابرة.

إنها واحدة من أعظم وجوه الإعجاز الحضاري للقرآن الكريم: أن يكون كتاب هداية للإنسان، وفي الوقت نفسه مصدراً لقيم الحرية والكرامة والعدل التي لا تستقيم الحياة الإنسانية بدونها.
يعتبر المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي من الرواد الذين أكدوا علي أن القرآن الكريم هو المرجع الأساسي الذي يكرّس حرية الإنسان وحقوقه المطلقة، ويقرّ بحرية الاعتقاد ورفض الإكراه. كما يدعو إلى تحرير العقل من التبعية للموروثات التاريخية والعودة إلى المقاصد الحقيقية للنصوص القرآنية باعتبارها منهجاً للسلام والعدل.

فهل آن الأوان لأن نعيد اكتشاف القرآن الكريم بعيداً عن القراءات التي ضيقت ما وسعه، وأن ننتقل من استخدام الدين لتبرير السلطة إلى استخدام قيمه لحماية الإنسان من استبداد السلطة؟!

خلاصة القول، لسنا بحاجة إلى استيراد الحرية من خارج حضارتنا، ولا إلى البحث عن مبررات دينية للديمقراطية؛ فالقرآن الكريم سبق إلى إقرار كثير من المبادئ الإنسانية التي تقوم عليها الديمقراطية الحديثة. إنما نحن بحاجة إلى أن نتحرر من القراءات التي حجبت عنا هذه القيم، وأن نترجمها إلى واقع سياسي ودستوري يحترم الإنسان ويصون كرامته وحريته.

كاتب المقال :
الأستاذ الدكتور رضا عبد السلام
الاستاذ بكلية الحقوق ومحافظ الشرقية الأسبق وعضو مجلس النواب المصري

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى