رؤى

«أمريكا تعيد رسم خريطة علاقاتها مع إفريقيا… من باب ترامب: قمة واشنطن الإفريقية بين منطق السوق وأوهام النفوذ» 

رامي زُهدي – خبير الشؤون الإفريقية

لم يكن لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ولايته الثانية التي بدأت في يناير 2025، مع خمسة رؤساء أفارقة يوم 9 يوليو الجاري، مجرد محطة بروتوكولية عابرة في روزنامة سياسية مزدحمة، بل جاء كمؤشر سياسي واضح على بداية مرحلة أميركية جديدة في التعامل مع إفريقيا، تقوم على منطق صريح: “المصالح أولًا، ولا مساعدات بلا مقابل”.

في هذا اللقاء الذي بدا شكلاً ومضمونًا أقرب إلى جلسة اختبار للولاء السياسي منه إلى قمة شراكة استراتيجية، تم استدعاء خمس دول من غرب ووسط القارة لافتتاح نموذج جديد من علاقة تُبنى على المقايضة الاقتصادية والاصطفاف الجيوسياسي، في ظل اشتداد المنافسة الدولية على إفريقيا.

أولًا: من حضر؟ ولماذا الآن؟

اللقاء ضم رؤساء كل من:

ليبيريا: جوزيف بوياكي

موريتانيا: محمد ولد الغزواني

السنغال: باسيرو ديومي فاي

غينيا بيساو: أومارو سيسوكو إمبالو

الجابون: بريس أوليجوي نغوما

خمسة قادة يمثلون مزيجًا من الشرعيات الديمقراطية الهشة (ليبيريا، غينيا بيساو)، والنظم ما بعد الانقلابات (الجابون)، والتجارب المستقرة نسبيًا (السنغال، موريتانيا). وقد اختيروا بعناية ليكونوا “الحلقة الأولى” في اختبار فرض النموذج الترامبي على إفريقيا، في ضوء الانسحاب الفرنسي، وتراجع دور واشنطن التقليدي، وتزايد تغلغل الصين وروسيا.

لقاء نهاية المساعدات وبداية السوق الخالص، وفي خطوة شكلت تحولًا جذريًا، أعلنت إدارة ترامب رسميًا قبل أسابيع إلغاء عمل وكالة التنمية الأميركية USAID في عدد من الدول الإفريقية، وعلى رأسها ليبيريا، والتي كانت تتلقى سنويًا ما يقارب 85 مليون دولار من المساعدات، أي ما يعادل 2.6٪ من ناتجها المحلي الإجمالي.

فيما يبدو أن. رسالة ترامب واضحة: “لن نمنح أحدًا أموالًا دون مقابل. من أراد الشراكة مع أميركا، فليفتح سوقه، وليحمِ مصالحنا أولًا”.

بهذا الموقف، تُنهي الولايات المتحدة نهج “التنمية مقابل الاستقرار”، وتدخل في مرحلة “التبادل النفعي الصرف”، وهي مقاربة تنطوي على أخطار استراتيجية كبرى للقارة إذا لم تُواجه برؤية إفريقية متماسكة.

عبر ملفات الصفقة الواضحة، طُرح على طاولة ترامب؟ الاقتصاد مقابل النفوذ، حيث أن واشنطن تسعى للهيمنة على الموارد النادرة: الليثيوم، الكوبالت، الذهب، الغاز، والموانئ الحيوية.

وعرضت تمويلات من القطاع الخاص الأميركي، مقابل حصول شركاتها على امتيازات في الشراء والامتلاك والإدارة.

وكذلك الهجرة عبر شراكة أمنية انتقائية، وطُرحت مقترحات لإنشاء مراكز احتجاز للمهاجرين غير النظاميين على الأراضي الإفريقية بتمويل أميركي، كما دُعيت الدول الخمس لتوقيع اتفاقات “إعادة القبول”، أي استقبال من يُرحّلون من الولايات المتحدة.

وحول التوازن الجيوسياسي، الرسالة كانت صريحة، من يواصل التقارب مع الصين وروسيا، سيُستبعد من أي دعم، فإدارة ترامب تسعى لاختراق شبكات النفوذ الصيني والروسي في الساحل والخليج الغيني عبر حلفاء جدد “أكثر مرونة”.

اما شكل اللقاء، فقد مثل استهانة بروتوكولية ومعنوية بإفريقيا، علي الرغم من ان عنوان اللقاء “الشراكة”، لكن بدا شكل اللقاء في البيت الأبيض أقرب إلى مشهد من دراما سياسية فوقية، فقد جلس الرؤساء الأفارقة الخمسة في صف واحد، بمواجهة ترامب خلف مكتبه منفردً، ولم تُعقد مؤتمرات صحفية مشتركة، ولم تُمنح الوفود الإفريقية الفرصة لعرض رؤيتها أو طروحاتها، ولم يكن هناك جدول أعمال معلن، ولا محاضر رسمية، ولا نتائج ملموسة، بخلاف صورة اللقاء التي ظهرت، والتي التُقطت وانتشرت عالميًا، وقد جسدت بوضوح نزعة استعلائية تجاه القارة الإفريقية، وكأنها “تُستدعى للتفاهم” لا للمفاوضة، ولـ”السمع” لا للشراكة.

كل هذا بخلاف زلات لسان الرئيس الأمريكي أم انها ليست زلات لسان وإنما إشارات ازدراء ثقافي وسياسي وعنصر، ففي أحد التعليقات العلنية خلال اللقاء، أبدى ترامب “دهشته” من إجادة الرئيس الليبيري اللغة الإنجليزية، في تكرار واضح لنمط جهله بثقافة إفريقيا وتاريخها، خصوصًا أن ليبيريا تأسست على يد أفارقة محررين من الولايات المتحدة عام 1822، واللغة الإنجليزية لغتها الرسمية منذ نشأتها.

هذا الموقف لم يكن عابرًا. بل عُدّ في دوائر عديدة دليلًا على أن واشنطن أو على الأقل إدارة ترامب لا تزال تنظر إلى إفريقيا بنظرة غرائبية استشراقية، وليس كشريك نِديّ ذي سيادة ومكانة.

فيما قيل، انه وعلي نمط المقابلات الشخصية في الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم، طُلب في بداية اللقاء ان يذكر كل رئيس دولة إسمه وإسم دولته.

ويبقي ان نعرف ماذا تريد الدول الخمس لترضي بمثل هذا اللقاء ، مثلاََ ليبيريا تبحث عن دعم اقتصادي بعد قطع المساعدات، ومستعدة للدخول في شراكة مشروطة.

اما السنغال، فهي تسعى لتأكيد مكانتها كحليف ديمقراطي، وتحقيق مكاسب استثمارية.

بالنسبة لموريتانيا فهي تعمل علي إحداث تُوازن بين شركاء دوليين، وتحاول الاستفادة من تراجع النفوذ الفرنسي.

بالنسبة لغينيا بيساو الرئيس الغيني استغل اللقاء لترميم شرعيته داخليًا.

الجابون، الرئيس الجابوني استثمر المناسبة لكسر العزلة الدولية.

القمة لم تنتج اتفاقيات ملموسة، لم تُعلن خطط استثمارية محدد، لم تُفعّل أي آلية تعاون فورية.

كل ما خرج منها هو صورة واحدة، ورسالة ضمنية:

إفريقيا أمام خيارين: الانضمام إلى المنظومة الأميركية الجديدة بشروطها، أو مواجهة العزلة والمقاطعة والاتهام بالانحياز لروسيا والصين.

لكن، إفريقيا الأن أمام اختبار الكرامة والمصالح، فهذه اللحظة تضع إفريقيا أمام معادلة حساسة، كيف تحمي استقلال قرارها السياسي، وفي الوقت ذاته تستفيد من الفرص المطروحة عالميًا، كيف تتحرر من التبعية دون الوقوع في عزلة اقتصادية، وكيف تبني تحالفات متوازنة تُراعي مصالح شعوبها، لا بقاء أنظمتها فقط.

إن اللقاء بين ترامب والرؤساء الأفارقة ليس حدثًا عابرًا. بل هو مؤشر على خريطة نفوذ جديدة يُعاد رسمها الآن، تسعى فيها الولايات المتحدة، من خلال رئيسها المثير للجدل، إلى فرض منطق السوق والسيادة الواحدة.

لكن القارة الإفريقية لم تعد كما كانت في القرن الماضي. هي اليوم قارة الفرص، وقارة الموارد، وقارة القرار الصاعد. وكل من يتعامل معها بمنطق الاحتواء والاستعلاء، سيكتشف عاجلًا أو آجلًا أن إفريقيا لا تعود إلى الوراء… بل تتقدم إلى الأمام، بمن يشاركها الاحترام لا من يفرض عليها الوصاية.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى