هشام النجار يكتب : إسطنبول.. من جسرٍ بين عالمين إلى عالمٍ واحد
علي الشرفاء الحمادي وقراءة قرآنية لإنهاء ميراث الصراع وبناء الأخوة الإنسانية

حينما تصل كتب الفكر إلى مدينة مثل إسطنبول، فإنها تصل إلى مدينة تختزن في ذاكرتها واحدة من أكثر التجارب الإنسانية تعقيدًا؛ إمبراطوريات قامت وسقطت، أديان ومذاهب تعايشت وتصادمت، وشرق وغرب ظلّا قرونًا يُقدَّمان في الوعي التاريخي باعتبارهما عالمين متقابلين.
تبدو مشاركة مؤسسة رسالة السلام العالمية، بما تحمله من مؤلفات المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي، في معرض إسطنبول الدولي للكتاب مناسبة تتجاوز عرض الكتب إلى طرح سؤال أكبر، هل يستطيع الفكر الإصلاحي أن يخرج بالبشرية من ثقافة المعسكرات الدينية المتحاربة إلى فضاء الأخوة الإنسانية والسلام العالمي؟
جزء كبير من المأساة الإنسانية الحديثة ما زال يحمل آثار تصور قديم للعالم يقسم البشر إلى “نحن” و”هم”، وإلى معسكر إيمان ومعسكر كفر، وإلى أرض سلام وأرض حرب، وقد استند الفقه التراثي إلى روايات مكذوبة مُفتراة منسوبة إلى النبي عليه السلام، من أشهرها الحديث الذي يبدأ بعبارة “أمرت أن أقاتل الناس..”، لبناء تصورات فقهية عن علاقة المسلمين بغيرهم، ثم تطورت إلى مفاهيم مثل “دار الإسلام” و”دار الحرب”.
ينبغي التوقف عند أصل بالغ الأهمية؛ حيث لا يجوز أن تتحول رواية منسوبة إلى النبي إلى مفتاح لتفسير القرآن كله، ولا أن تُبنى عليها عقيدة صدام كوني تتناقض مع المحكمات القرآنية في العدل والسلام وعدم الاعتداء.
يذكر القرآن اختلاف الناس، ويضع معيار التعامل معهم في السلوك والعدوان والسلم، -ما يعني أنه لا يقدم البشرية باعتبارها معسكرين دائمين للحرب- يقول تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)؛ فالاختلاف في الدين لا يحول الإنسان إلى عدو، ولا يجعل المجتمع المخالف في العقيدة هدفًا مشروعًا للحرب.
يجعل القرآن القسطَ غاية كبرى للرسالات: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، والقسط عدل تام بين الناس؛ لا يستثني إنسانًا بسبب دينه أو لونه أو عرقه أو مذهبه.
تتهاوى إذن إحدى أخطر البنى الفكرية التي ورثها العالم من العصور الوسطى: أن الانتماء الديني يحدد قيمة الإنسان وحقوقه المدنية؛ فمن هذه الرؤية نشأت عبر التاريخ البشري الممتد شرقًا وغربًا أنظمة للتمييز الديني، وصارت الأقليات موضع شبهة دائمة، وأصبح المواطن المختلف في العقيدة أقل حقوقًا من غيره.
لكن القرآن يذهب إلى الاتجاه المقابل تمامًا؛ فهو يخاطب البشر جميعًا بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا؛ فالمساواة تبدأ من الأصل الإنساني الواحد، والتنوع دعوة إلى التعارف لا إلى الاقتتال.
والتعـارف في جوهره ومعناه القرآني الدقيق؛ ليس مجرد معرفة اسم الآخر أو ثقافته؛ إنه نقيض العزلة والصدام، إنه اتصال سلمي يسمح بأن يرى الإنسان في اختلاف الآخر إضافة إلى العالم، لا تهديدًا لوجوده.
وهذا بالضبط ما تحتاج إليه مدينة مثل إسطنبول، فهي نقطة التقاء آسيا بأوروبا، وشاهد تاريخي على أن الحضارات لا تعيش في صناديق مغلقة، لقد عبرت من خلالها التجارة والأفكار واللغات والفنون، كما عبرت الجيوش والصراعات، وفي تاريخها تداخلت الجماعات الدينية والثقافية داخل فضاء سياسي واحد، ثم جاءت الجمهورية التركية الحديثة لتدخل في تجربة مختلفة مع سؤال العلاقة بين الدين والدولة ونحن والآخر والهوية والغرب والحداثة.
لهذا فإن إسطنبول تصلح اليوم، رمزيًا، لأن تكون نقطة انطلاق لمراجعة الفكرة القديمة التي جعلت الشرق والغرب خصمين أبديين.
لقد عرف الغرب الأوروبي نفسه، في العصور الوسطى ثم عصر الاستعمار، صورًا من الحروب الدينية والاضطهاد والتوسع الإمبراطوري باسم المسيحية، كما عرف العالم الإسلامي تجارب سياسية وعسكرية رفعت راية الإسلام، ولا ينبغي أن تتحول هذه الوقائع إلى اتهام لدين بأكمله؛ فالمشكلة في الحالتين كانت حين امتزجت الرسالة الدينية بالصراع على السلطة والثروة والنفوذ، وتحول التأويل البشري إلى تشريع مقدس.
تقف وتتقدم وتتصدر هنا إحدى أهم أفكار أستاذنا المصلح الكبير علي محمد الشرفاء الحمادي: أن علينا أن نفرق بين الإسلام الذي جاء به الوحي، وبين ما صنعه البشر بعد ذلك من نسخ دينية ومذهبية وسياسية.
يضع القرآن جميع الرسل في إطار أمة واحدة؛ فبعدما تحدث عن الرسل جميعًا قال مباشرة : (وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)، ثم يكشف مباشرة عن مصدر الانقسام: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ).
إنها صورة تكاد تكون وصفًا لما جرى للدين بعد الأنبياء: رسالة واحدة في أصلها، ثم تتدخل السياسة والمصالح والصراعات البشرية، فتتحول الرسالة إلى جماعات متنافسة، والجماعات إلى طوائف، والطوائف إلى معسكرات، والمعسكرات إلى حروب.
العودة إلى الإسلام الأصلي، في القراءة الإصلاحية التي يقدمها أستاذنا الشرفاء الحمادي، تعني العودة إلى جوهر الدين؛ وهو كالتالي: توحيد الله، والعمل الصالح، والعدل، والسلم، وعدم العدوان، وصيانة حرية الاعتقاد وحقوق الإنسان.
فهي بطبيعة الحال لا تعني العودة إلى شكل تاريخي مضى، ولا إحياء صراعات “الفتوحات” والغزو.
إن الإسلام، بهذا المعنى رسالة لإنقاذ الإنسان من الظلم، وليس مشروعًا لاحتلال العالم.
ولهذا يصبح قوله تعالى: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)، مفتاحًا بالغ الدلالة؛ فالسلم فضاء أخلاقي ينبغي أن تدخل فيه الجماعة الإنسانية كلها دون إستثناء، وليس استراحة مؤقتة بين حربين.
من المؤسف أن القراءات التراثية جعلت “الجهاد” مفهومًا دائمًا للقتال ضد العالم المختلف، بينما يضع القرآن القتال في سياقات مرتبطة بالعدوان والظلم والاضطهاد، والنتيجة أن فكرة “دار الحرب” تحولت لدى تيارات متطرفة إلى عقلية مستمرة ترى الآخر عدوًا حتى يثبت العكس.
تبدأ الكارثة هنا: يصبح المسلم الذي يعيش في الغرب مشكوكًا في ولائه، ويصبح المسيحي أو اليهودي أو البوذي أو الملحد في المجتمع المسلم موضع شبهة، ويصبح الوطن نفسه مقسمًا بين “أهل الدين” و”الآخرين”.
لكن أي وطن يبنى بهذه الطريقة؟
الوطن، في التصور الإنساني الحديث ملك لمواطنيه جميعًا، والمواطنة لا تتجزأ بحسب العقيدة، فإذا كان البشر جميعًا خلقًا لله، فإن عبوديتهم لله لا تمنح أحدًا حق الاستعلاء على أحد؛ وتضع الجميع على أرض واحدة من الكرامة الإنسانية.
لتأتي الآية التي تهدم كل معايير التفاضل الديني: (إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
التقوى التي لا يملك الحكم عليها بشر -لا اللون، ولا العرق، ولا الثروة، ولا الجنس، ولا اللغة، ولا المذهب-، ولهذا يبقى الحكم النهائي لله، لا لمحكمة دينية، ولا لجماعة مسلحة، ولا لسلطة سياسية تتحدث باسم الله.
أجمل ما يمكن أن تقدمه إسطنبول العريقة، في لحظة عالمية يشتد فيها الاستقطاب، هو أن تتحول من رمز تاريخي للقاء الشرق بالغرب إلى رمز للقاء الإنسان بأخيه الإنسان.
فالعالم لم يعد يحتمل إعادة إنتاج الحروب القديمة بأسماء جديدة، لم يعد يحتاج إلى شرق يخاف الغرب، ولا غرب يخشى الشرق، ولا إلى دين يرى في الدين الآخر مشروعًا للعداء.
إننا نحتاج -كما يشرح ويفصل ويؤصل أستاذنا الكبير علي محمد الشرفاء في كتبه وإصداراته- إلى تجاوز “عصر المعسكرات” كله.
يبدأ الطريق إلى ذلك من إصلاح الفكرة الدينية؛ أن نعيد القرآن إلى مركز الخطاب، وأن نميز بين الوحي والتاريخ، وبين الدين وتأويلات البشر، وبين الجهاد والعدوان، وبين الإيمان والهوية السياسية، وأن نعيد الاعتبار للقيم التي تجعل الإنسانَ إنسانًا: (العدل، والحرية، والرحمة، والإحسان، والمساواة، وعدم الاعتداء، وحرية الاعتقاد، وصيانة كرامة المرأة والرجل معًا).
عندها فقط يمكن أن نفهم معنى أن يكون الرسول الخاتم محمد عليه السلام رحمة للعالمين، وأن يكون القرآن نذيرًا للعالمين؛ إنذار للإنسان من الظلم، ورحمة به من نتائجه، لا رسالة إلى معسكر ضد معسكر، ولا دعوة إلى حضارة تستأصل حضارة.
من إسطنبول، إذن، ينبغي أن نرسم خريطة جديدة للعالم، لا أن نستعيد خرائط الفتوحات والحروب.
خريطة لا يكون فيها الغرب عدوًا، ولا الشرق حصنًا، ولا المسيحي خصمًا، ولا المسلم متهمًا، ولا اليهودي أو البوذي أو أي إنسان آخر مواطنًا من الدرجة الثانية.
خريطة عنوانها القرآن حينما يقول:”ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً”.
فربما آن للإنسانية أن تغادر أخيرًا عصر دار الحرب، بكل ما يحمله من خوف وانقسام، لتدخل عصر الأخوة الإنسانية؛ حيث يصبح اختلاف البشر طريقًا للتعارف، ويصبح الدين مصدرًا للقيم لا وقودًا للصراع، ويصبح السلام قاعدة للحياة، وليس هدنة بين خصمين.



