مجدى طنطاوى يكتب حين هجرنا القرآن فهجرنا التغيير

نحن أمة أنزل الله إليها كتابا جعله نورا وهدى ورحمة للناس وجعله المنهج الذى يخرج الإنسان من الظلمات إلى النور لكننا قبلنا ووضعنا بأيدينا موانع كثيرة بيننا وبين القرآن حتى أصبح بعيدا عن واقعنا وعن عقولنا وعن سلوكنا
لقد تحول القرآن عند كثيرين إلى كتاب للتلاوة وحسن الصوت بينما غابت رسالته فى الهداية والإصلاح والتدبر والعمل فصدق فينا قول الله تعالى
﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾
ولم يكن هجر القرآن مجرد ترك قراءته بل كان هجر فهمه والعمل به والاحتكام إليه والبحث فيه عن حلول أزماتنا ومشكلاتنا
وسمحنا عبر القرون لكل من هب ودب أن يتحدث باسم الدين وأن يضيف ويؤول ويقبل ويرفض حتى أصبح كلام البشر عند كثير من الناس مقدما على كلام الله وأصبح القرآن محاصرا بطبقات من الأقوال والاجتهادات والتفسيرات التى حجبت صفاء رسالته عن القلوب
ورمينا عقولنا التى أمرنا الله باستخدامها وعطلنا ملكة التدبر التى دعا إليها القرآن فى عشرات الآيات واكتفينا بالتلقى والتقليد دون بحث أو تفكر أو مراجعة
قال تعالى
﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾
وانشغلنا بأموالنا وأولادنا وأعمالنا وشؤون حياتنا حتى لم نجد وقتا نتعب فيه من أجل معرفة ديننا الحق الذى أنزله الله لعباده
مع أن الله نبهنا فقال
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
ولو بذل المسلم جزءا من الجهد الذى يبذله فى طلب الرزق أو متابعة شؤون الدنيا لفهم كتاب الله لتغير حال الأمة كلها ولعادت إليها أسباب القوة والوحدة والنهضة
إن أزمة المسلمين ليست فى القرآن فهو الكتاب الذى حفظه الله من التحريف وإنما الأزمة فى المسافة التى صنعناها بيننا وبينه وفى الحواجز التى تراكمت حتى حجبت عنا نوره وهدايته
ولن يتغير واقع الأمة إلا عندما تعود إلى كتاب ربها قراءة وتدبرا وفهما وعملا وتحكيما وعندما تدرك أن النجاة ليست فى تقديس أقوال البشر وإنما فى اتباع ما أنزل الله
فإذا عاد القرآن إلى موقع القيادة فى حياة المسلمين عاد معه الوعى والعدل والرحمة والنهضة وإذا استمر هجره فلن نجنى إلا مزيدا من الفرقة والضعف والتيه
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾
وأول التغيير أن نزيل ما بيننا وبين كتاب الله من حواجز وأن نفتح قلوبنا وعقولنا لرسالته الخالدة التى أرادها الله هداية للعالمين.


