رؤى الشرفاء الحمادي

تحليل ورؤية تنويرية يكتبها د.معتز صلاح الدين حول التعايش والسلام وزيارة وفد مؤسسة رسالة السلام إلى الأردن

*إعداد: د. معتز صلاح الدين مستشار المركز الديمقراطي لدراسات الشرق* *الأوسط بنورث كارولينا*

*مقدمة*

تشهد المنطقة العربية في العقود الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في التحديات المرتبطة بخطابات التطرف والانقسام الديني، الأمر الذي جعل من قضية التعايش الإنساني والحوار بين أتباع الرسالات السماوية ضرورة حضارية وليست مجرد ترف فكري. وفي هذا السياق، تبرز الأدوار التي تقوم بها المؤسسات الفكرية والثقافية ذات التوجه التنويري، وفي مقدمتها مؤسسة رسالة السلام العالمية، التي تسعى إلى ترسيخ قيم السلام والتفاهم الإنساني من خلال الحوار والتثقيف وإعادة قراءة الخطاب الديني في ضوء القيم القرآنية الجامعة وفقا لرؤي وأفكار مؤسسها المفكر العربي الأستاذ على محمد الشرفاء الحمادى.
وتُعد الزيارة الأخيرة لوفد المؤسسة إلى المملكة الأردنية الهاشمية، وما تخللها من توقيع مذكرة تعاون مع المدارس الأرثوذكسية، إضافة إلى اللقاء الذي جمع الوفد بقيادات كنسية في كنيسة العذراء الناصرية، نموذجاً تطبيقياً لفكرة “السلام العملي” القائم على الشراكة الإنسانية والفكرية، وليس فقط على الشعارات النظرية.

*أولاً* : الأردن بوصفه فضاءً للحوار الحضاري:

يمثل الأردن حالة عربية خاصة في مجال إدارة التنوع الديني والثقافي، حيث استطاع عبر عقود أن يقدم نموذجاً مستقراً للتعايش بين المسلمين والمسيحيين. ولذلك فإن اختيار الأردن ليكون محطة لنشاطات مؤسسة رسالة السلام يحمل دلالات رمزية وفكرية مهمة، من أبرزها:
-وجود بيئة اجتماعية وثقافية مؤهلة لاستقبال مشاريع الحوار الديني.
-حضور مؤسسات تعليمية وكنسية تؤمن بقيمة الانفتاح الفكري.
-ارتباط الأردن تاريخياً بدور الوسيط الحضاري بين الشرق والغرب.
ومن ثم، فإن ما جرى لا يمكن اعتباره نشاطاً بروتوكولياً عابراً، بل يدخل ضمن سياق أوسع يتعلق ببناء شبكات عربية للحوار والتفاهم الإنساني.

*ثانياً* : دلالات مذكرة التعاون مع المدارس الأرثوذكسية
1. التحول من التعليم المعرفي إلى التعليم القيمي
تكشف مذكرة التعاون الموقعة بين المدارس الأرثوذكسية ومؤسسة رسالة السلام عن إدراك متزايد لأهمية دمج القيم الإنسانية في العملية التعليمية. فالتعليم المعاصر لم يعد يقتصر على نقل المعرفة، بل أصبح معنياً ببناء الشخصية الإنسانية القادرة على التفاعل الإيجابي مع الآخر.
وفي هذا الإطار، تتضح عدة أهداف استراتيجية للمذكرة، منها:
-تعزيز ثقافة التسامح واحترام التنوع الديني.
-تحصين الأجيال الجديدة ضد خطابات الكراهية والتعصب.
-إدماج الفكر التنويري في البيئات التعليمية
-توسيع دائرة الحوار بين الشباب من مختلف الخلفيات الدينية

2. أهمية إدخال مؤلفات المفكر الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي إلى المكتبات المدرسية:
تمثل هذه الخطوة تحولاً مهماً في آليات نشر الفكر التنويري، إذ تنتقل الكتب من دائرة النخب الفكرية إلى المجال التربوي المباشر المؤثر في وعي الطلاب.
وتحمل هذه المؤلفات عدة مرتكزات فكرية، أبرزها:
-إعادة تقديم الإسلام باعتباره رسالة رحمة وعدل.
-التأكيد على وحدة القيم الإنسانية بين الأديان السماوية.
-تفكيك الصور النمطية التي صنعتها قراءات متشددة للنصوص الدينية.
-الدعوة إلى الاحتكام إلى القرآن الكريم باعتباره مرجعاً للإسلام يحق على المحبة والرحمة والسلام والأخوة الإنسانية والتعارف.

*ثالثاً* : قراءة تحليلية لكتاب “القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية”
يُعد هذا الكتاب من أكثر الطروحات الفكرية جرأة في مجال الحوار الإسلامي المسيحي، لأنه لا ينطلق من منطق الجدل العقائدي التقليدي، بل من محاولة البحث عن المشتركات الإنسانية والإيمانية بين الديانتين.
أبرز المرتكزات الفكرية للكتاب
1. الانتقال من الجدل إلى الحوار
يرفض الكتاب أسلوب “إثبات الخطأ للآخر”، ويستبدله بمنهج يقوم على:
-الاحترام المتبادل.
-البحث عن المشتركات.
-تقديم النصوص القرآنية بوصفها أرضية للتقارب لا للصدام.
2. إعادة الاعتبار لفكرة التعارف الإنساني
ينطلق الكتاب من الرؤية القرآنية التي تجعل الاختلاف مدخلاً للتعارف لا للصراع:

وهذه الرؤية تؤسس لفلسفة اجتماعية تقوم على أن التنوع الإنساني قيمة حضارية وإرادة إلهية.
3. مواجهة إرث سوء الفهم التاريخي
يحاول الكتاب تجاوز تراكمات تاريخية ساهمت في توتير العلاقة بين أتباع الأديان، من خلال تقديم قراءة هادئة للنصوص الدينية بعيداً عن التأويلات العدائية.
*رابعاً* : الكنيسة كشريك في صناعة السلام
دلالات زيارة كنيسة العذراء الناصرية
تمثل الزيارة التي قام بها وفد المؤسسة إلى الكنيسة نموذجاً للحوار الديني المباشر، القائم على التواصل الإنساني وليس على المجاملات الرسمية.
وقد أبرز اللقاء عدة قضايا محورية:
-إستعداد المؤسسات الدينية المعتدلة للتعاون في مواجهة التطرف.
-أهمية الدور الروحي للكنيسة والمسجد في ترسيخ قيم الرحمة.
-الحاجة إلى إنتاج خطاب ديني إنساني جامع.
كما عكس استقبال الأب الدكتور حنا كلداني للوفد حالة من القناعة الحقيقية بأهمية الحوار بين الأديان، لا باعتباره نشاطاً موسمياً، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية.
*خامساً* : مؤسسة رسالة السلام ونموذج “السلام العملي”
تقدم مؤسسة رسالة السلام العالمية نموذجاً يمكن وصفه بـ”السلام العملي”، وهو السلام الذي يتحول من مفهوم نظري إلى مبادرات ميدانية ملموسة.
ويتجلى هذا النموذج في عدة محاور:
1. بناء شراكات عابرة للقارات وعابرة للهويات الدينية:
تسعى المؤسسة إلى التعاون مع المدارس والجامعات والكنائس والمراكز الثقافية عبر القارات ، بما يعزز مفهوم المواطنة الإنسانية.
2. الاستثمار في الوعي الثقافي
تركز المؤسسة على الكتاب والفكر والحوار بوصفها أدوات طويلة المدى لمواجهة التطرف.
3. استهداف الأجيال الجديدة
من خلال الأنشطة التعليمية والثقافية، يتم توجيه الجهود نحو الشباب باعتبارهم الفئة الأكثر قدرة على صناعة مستقبل مختلف.
*سادساً* : البعد الحضاري للمبادرة
لا يمكن قراءة ما حدث في الأردن باعتباره حدثاً محلياً فقط، بل يحمل أبعاداً حضارية أوسع، منها:
-تقديم نموذج عربي إيجابي للعلاقات الإسلامية المسيحية.
-إعادة الاعتبار لفكرة الدين كوسيلة لبناء الإنسان.
-مواجهة تصاعد خطابات الكراهية عالمياً.
-تعزيز صورة الإسلام بوصفه ديناً يدعو إلى الرحمة والتعايش.
كما أن هذه المبادرات تكتسب أهمية مضاعفة في ظل عالم يشهد توترات دينية وسياسية متزايدة، الأمر الذي يجعل من الحوار والتفاهم أدوات ضرورية لحماية الاستقرار الإنساني.

*قراءة فى النتائج*
تكشف التجربة التي قادتها مؤسسة رسالة السلام العالمية في الأردن عن إمكانية بناء مساحات حقيقية للتعايش إذا توفرت الإرادة الفكرية والإنسانية الصادقة. فالتعاون بين مؤسسة إسلامية ومدارس أرثوذكسية، والحوار داخل كنيسة حول الرحمة والعدل والسلام، ليست مجرد مشاهد رمزية، بل مؤشرات على أن المنطقة العربية ما زالت تمتلك القدرة على إنتاج نماذج مضيئة في التفاهم الإنساني.
وتؤكد هذه التجربة كذلك أن السلام لا يبدأ من الاتفاقيات السياسية وحدها، بل من إعادة تشكيل وعي الإنسان، ومن غرس قيم الرحمة والتعارف في التعليم والثقافة والخطاب الديني.
ومن هنا، يمكن اعتبار ما جرى في الأردن خطوة ضمن مشروع حضاري أوسع، يسعى إلى استعادة المعنى الإنساني للأديان، وترسيخ فكرة أن الاختلاف لا ينبغي أن يقود إلى الصراع، بل إلى معرفة أعمق بالإنسان وبالقيم المشتركة التي تجمع البشر جميعاً.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى