تقارير

مركز “العرب” يشارك في نقاش استراتيجي بجامعة الدول حول انعكاسات التنوع على الهوية العربية

القاهرة مركز العرب

في ظل عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، حيث تتداخل العوامل الرقميةمع التحولات السياسية والاجتماعية، عادت قضية الهوية العربية إلىصدارة النقاشات الفكرية، ليس باعتبارها سؤالًا نظريًا، بل كأحدمفاتيح الاستقرار وبناء المستقبل. وفي هذا السياق، شكّلت الندوةالفكرية التي نظمتها جامعة الدول العربية في القاهرة يومي 14 و15 أبريل 2026، محطة مفصلية لإعادة التفكير في العلاقة بينالتنوع والتماسك داخل المجتمعات العربية.

وسط هذا الحراك، برزت مشاركة مركز العرب للدراسات بوصفهامساهمة نوعية لم تكتفِ بالحضور، بل سعت إلى التأثير فيمسارات النقاش، وتقديم مقاربات فكرية واستراتيجية تعيد صياغةمفهوم الهوية في عصر التحولات الرقمية المتسارعة.

منصة عربية لإعادة تعريف الهوية

جاءت الندوة تحت عنوانانعكاسات التنوع على الهوية العربية: نحو مقاربة تكاملية، بمشاركة أكثر من 180 باحثًا وخبيرًا يمثلونعشرات مراكز الفكر العربية. وقد هدفت إلى بناء أرضية مشتركةلفهم التحولات التي تمس الهوية العربية، واستكشاف فرص تحويلالتنوع من عامل انقسام إلى رافعة للتكامل.

امتدت النقاشات على مدار يومين، وتوزعت على جلسات متعددةتناولت الإطار المفاهيمي للهوية، وأبعاد التنوع الثقافي والاجتماعي،إلى جانب التحديات المستجدة المرتبطة بالفضاء الرقمي. ولم يكنالهدف مجرد تشخيص الأزمة، بل السعي إلى إنتاج رؤى قابلةللتحول إلى سياسات عامة ومبادرات مؤسسية.

في هذا الإطار، أوضح الوزير المفوض الدكتور علاء التميمي، أنالندوة تمثل جزءًا من خطة استراتيجية أوسع تستهدف توحيد لغةالحوار بين مراكز الفكر العربية، بما يمهّد لبلورة تصور متكاملللهوية العربية الجامعة.

حضور يتجاوز المشاركة إلى التأثير

لم تكن مشاركة مركز العرب للدراسات شكلية؛ بل جاءت ضمنرؤية استراتيجية تقوم على توظيف البحث العلمي في دعم قضاياالوعي والتكامل؛ فقد أسهم المركز في النقاشات من خلال أوراقتحليلية ومداخلات فكرية ركّزت على إعادة تعريف العلاقة بين الدولةالوطنية والتعددية الثقافية.

كما عمل المركز على توسيع دائرة التأثير خارج قاعات النقاش، منخلال مبادرات معرفية وثقافية رافقت الندوة، عكست توجهًا واضحًانحو تحويل الفكر إلى أدوات عملية تسهم في بناء وعي عربيمتماسك.

هذا الحضور المتكامل وضع المركز في موقع الفاعل لا المتلقي،خصوصًا في ظل تزايد الحاجة إلى مؤسسات بحثية قادرة علىقراءة التحولات الرقمية وتأثيراتها على البنية الثقافية للمجتمعات.

الهوية بين النظرية والتحديات الرقمية

افتُتحت أعمال الندوة بجلسة تأسيسية تناولت الإطار الفكري لقضيةالهوية، أعقبها عرض لأوراق بحثية لعدد من أبرز المفكرين العرب. ومن بين هذه الأوراق، برزت أطروحةالهوية كجسر لا جدار التيقدمها الدكتور عمرو الورداني، والتي دعت إلى تجاوز الرؤيةالصراعية للهوية، واستبدال مقاربة تكاملية ترى في التنوع مصدرقوة، بها.

كما تناولت أوراق أخرى قضايا حماية الأقليات في ظل النظامالدولي، والتحديات المرتبطة بالحروب الإدراكية التي تستهدف الوعيالجمعي العربي.

غير أن المحور الأكثر حضورًا في نقاشات اليوم الأول، كان تأثيرالفضاء الرقمي، حيث أجمع المشاركون على أن وسائل التواصلالاجتماعي لم تعد مجرد أدوات تواصل، بل أصبحت فاعلًا رئيسيًافي تشكيل الهوية. فقد أفرزت هذه الوسائل أنماطًا جديدة منالانتماء، وأعادت تشكيل الوعي الجمعي، في ظل صعود ما يُعرفبالهويات العابرة للحدود.

كما طُرحت مخاطر الألعاب الرقمية وتأثيرها على الأجيال الجديدة،باعتبارها إحدى الأدوات غير التقليدية التي تسهم في إعادة تشكيلالقيم والانتماءات.

الحروب الإدراكية: التهديد غير المرئي

أحد أبرز المفاهيم التي هيمنت على النقاشات كان مفهومالحروبالإدراكية، الذي يشير إلى استهداف العقول بدلًا من الأراضي. وفي هذا السياق، حذّر المشاركون من أن التحدي الحقيقي لم يعدعسكريًا أو اقتصاديًا فحسب؛ بل أصبح معرفيًا وثقافيًا بالدرجةالأولى.

وقد برز دور المراكز البحثية، وعلى رأسها مركز العرب، فيالتصدي لهذه التحديات من خلال إنتاج خطاب معرفي قادر علىتفكيك آليات التأثير الرقمي، وبناء وعي نقدي لدى المجتمعاتالعربية.

استشراف المستقبل وبناء الحلول

انتقلت الندوة في يومها الثاني من مرحلة التشخيص إلى مرحلةاستشراف المستقبل، حيث ركزت الجلسات على تقديم رؤىاستراتيجية لإدارة التنوع وتعزيز الهوية الجامعة.

وناقش المشاركون تجارب الدول العربية في التعامل مع التعددية،مؤكدين أن الأزمة لا تكمن في وجود التنوع، بل في غياب آليات فعالةلإدارته. كما تم التطرق إلى تحديات الجيل الرقمي، الذي يعيش فيفضاء مفتوح يتجاوز الحدود التقليدية للدولة الوطنية.

وقد خلصت النقاشات إلى ضرورة بناء نماذج جديدة للهوية تقومعلى التوازن بين الانتماء الوطني والانفتاح الثقافي، بما يضمنالحفاظ على الخصوصية دون الانغلاق.

الشريف: نحو نموذج مؤسسي لإدارة التنوع

في واحدة من أبرز مداخلات الندوة، قدّم الباحث محمد فتحيالشريف، رئيس مركز العرب للدراسات، رؤية تحليلية معمقة حولتحولات الهوية العربية.

وأكد الشريف أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في التعددية، بل فيكيفية إدارتها، مشيرًا إلى أن النماذج المركزية التي تبناها بعضالدول العربية بعد الاستقلال، أدت إلى تهميش الهويات الفرعية، ماأسهم في خلق توترات مجتمعية.

كما لفت إلى أن التحولات الرقمية أعادت تشكيل الوعي الهوياتي،من خلال خلق منصات تعبير جديدة لكل مكون ثقافي، وهو ما أدىإلى تفكك السردية التقليدية للهوية.

وفي طرحه للحلول، دعا الشريف إلى تبني رؤية مؤسسية تقوم علىالاعتراف بالتعددية، وتعزيز العدالة التنموية، وإصلاح التعليم،وتطوير الخطاب الإعلامي، مؤكدًا أن التنوع يمكن أن يتحول إلى قوةناعمة إذا أُحسن توظيفه.

من الفكر إلى المبادرة: تحركات موازية لمركز العرب

لم تقتصر مشاركة مركز العرب على الطرح النظري؛ بل تجلّتأيضًا في مبادرات عملية عكست توجهًا نحو تعزيز التعاون المعرفي.

وأهدى المركز عددًا من الإصدارات الفكرية، من بينهارؤية الشرفاءالحمادي للتكامل العربي، إلى عدد من الشخصيات الأكاديميةوالدينية، في خطوة تهدف إلى توسيع دائرة الحوار حول قضاياالتكامل والهوية.

كما شملت المبادرات تقديم مؤلفات ومجلات علمية لمؤسساتأكاديمية، في إطار بناء شراكات مستدامة بين مراكز البحثوالجامعات، بما يسهم في إنتاج معرفة عربية متكاملة.

مخرجات الندوة: نحو مشروع عربي متكامل للهوية

أسفرت الندوة عن مجموعة من النتائج العملية التي تعكس تحولالنقاش من مستوى الفكر إلى مستوى الفعل. ومن أبرز هذهالمخرجات:

إطلاق برنامج عربي لإدارة التنوع والحوار الهوياتي، يهدف إلىتطوير أدوات عملية للتعامل مع التعددية.
تشكيل فريق بحثي متخصص لإعداد إطار مفاهيمي شامللقضايا الهوية.
إطلاق مشروعخريطة التنوع العربي لرصد وتحليل أنماطالتنوع.
التوافق على إصدار تقرير سنوي بعنوانمستقبل الهويةالعربية“.
الإعلان عن منتدى عربي سنوي للحوار الهوياتي.

هذه المبادرات تمثل خطوة مهمة نحو بناء منظومة معرفية عربية قادرةعلى التعامل مع التحديات الراهنة.

الهوية العربية: من الأزمة إلى الفرصة

أظهرت النقاشات أن التنوع، رغم ما يطرحه من تحديات، يمكن أنيتحول إلى فرصة لتعزيز التكامل، إذا تم التعامل معه ضمن إطارمؤسسي مرن.

فالهوية العربية لم تعد مفهومًا جامدًا؛ بل أصبحت كيانًا ديناميكيًايتأثر بالتحولات الرقمية والثقافية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادةتعريفها بما يتناسب مع متطلبات العصر، دون التفريط في الثوابت.

دور المراكز البحثية: عقل الأمة في زمن التحولات

أكدت الندوة أن المراكز البحثية لم تعد مجرد جهات إنتاج معرفي؛ بلأصبحت فاعلًا أساسيًا في صياغة السياسات وبناء الوعي.

وفي هذا السياق، يبرز دور مركز العرب للدراسات كنموذجلمؤسسة بحثية تسعى إلى الربط بين الفكر والتطبيق، من خلال تقديمرؤى استراتيجية، والمشاركة في الحوارات الإقليمية، وبناء شراكاتمعرفية واسعة.

نحو هوية جامعة في عالم متغير

في ختام أعمال الندوة، بدا واضحًا أن مستقبل الهوية العربيةسيُحدد بمدى قدرة المجتمعات على إدارة تنوعها، واستثمارالتحولات الرقمية لصالحها.

وعكست مشاركة مركز العرب للدراسات إدراكًا عميقًا لطبيعة هذهالمرحلة، وسعيًا حقيقيًا للمساهمة في بناء مشروع عربي متكامليقوم على التماسك والتعددية في آن واحد.

وبينما تستمر التحديات، يظل الرهان الأكبر على الوعي، باعتبارهخط الدفاع الأول في مواجهة التفكك، وأداة البناء الأساسية لمستقبلعربي أكثر تماسكًا وإنسانية.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى