رؤى

رامي زهدي يكتب.. «الشباب الإفريقي بين معادلة التعليم وريادة الأعمال» 

الشباب الإفريقي بين معادلة التعليم وريادة الأعمال: كيف تتحول الكتلة الديموغرافية إلى رافعة استراتيجية للقارة خاصة في لحظات تاريخية يتقاطع فيها ضغط الواقع مع اتساع الممكن، حيث تقف إفريقيا أمام معادلة شديدة الحساسية والدقة، عنوانها الحقيقي ليس فقط عدد سكانها المتزايد، بل نوعية هذا النمو وقدرته على التحول إلى قوة إنتاجية مستدامة، فالقارة التي يتجاوز عدد سكانها اليوم 1.4 مليار نسمة، مرشحة لأن تضم بحلول عام 2050 ما يقارب ربع سكان العالم، فيما يمثل الشباب دون الخامسة والعشرين أكثر من 60 في المئة من هذا الإجمالي.

وهذه الأرقام ليست مجرد دلالات إحصائية، بل هي مؤشر استراتيجي يعكس حجم الفرصة الكامنة وحجم المخاطر في آن واحد، إذ يدخل سنويا إلى سوق العمل الإفريقي ما بين 20 إلى 25 مليون شاب، في مقابل قدرة اقتصادية رسمية لا تستوعب سوى ما بين 3 إلى 5 ملايين فرصة عمل منظمة.

وهذه الفجوة الهيكلية بين العرض والطلب في سوق العمل لا يمكن قراءتها بمعزل عن طبيعة المنظومة التعليمية في القارة، والتي تمثل الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة.

فرغم التحسن النسبي في معدلات الالتحاق بالتعليم الأساسي، والتي تجاوزت في بعض الدول 80 في المئة، إلا أن جودة هذا التعليم لا تزال تعاني من اختلالات عميقة.

وتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من 9 من كل 10 أطفال في إفريقيا جنوب الصحراء لا يمتلكون المهارات الأساسية في القراءة والفهم عند سن العاشرة، وهو ما يعرف بفقر التعلم.

هذا المؤشر لا يعكس فقط أزمة تعليمية، بل يعكس أزمة في إنتاج رأس المال البشري ذاته، حيث تتحول سنوات التعليم إلى عبء زمني دون عائد معرفي حقيقي.

وإذا كان التعليم يمثل المدخل النظري لبناء القدرات، فإن ريادة الأعمال تمثل الامتداد العملي لتحويل هذه القدرات إلى قيمة اقتصادية، وهنا تتجلى مفارقة لافتة، إذ تعد إفريقيا من أعلى مناطق العالم في معدلات النشاط الريادي المبكر، حيث تتراوح نسب الانخراط في أنشطة ريادة الأعمال بين 20 إلى 25 في المئة من البالغين في بعض الدول، وهي نسب تفوق المتوسط العالمي بشكل ملحوظ، كما شهدت القارة تدفقات استثمارية متزايدة في قطاع الشركات الناشئة، حيث تجاوزت الاستثمارات في بعض السنوات حاجز 6 إلى 7 مليارات دولار، مع بروز مراكز إقليمية في نيجيريا وكينيا وجنوب إفريقيا ومصر.

غير أن هذه الديناميكية الإيجابية تظل محكومة بقيود هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الوصول إلى التمويل، وارتفاع تكلفة رأس المال، حيث تصل أسعار الفائدة في بعض الأسواق إلى أكثر من 20 في المئة، إلى جانب محدودية تغطية الخدمات المصرفية، حيث لا يزال أكثر من 50 في المئة من البالغين في إفريقيا خارج النظام المالي الرسمي، كما تمثل البنية التحتية تحديا مركزيا، سواء في قطاع الطاقة، حيث يعاني نحو 600 مليون إفريقي من نقص في الكهرباء، أو في قطاع النقل واللوجستيات، مما يرفع من تكلفة ممارسة الأعمال ويحد من القدرة التنافسية.

وفي قلب هذه التحديات، يبرز الاقتصاد غير الرسمي كملاذ واسع للشباب الإفريقي، حيث يستوعب ما بين 70 إلى 85 في المئة من القوة العاملة في العديد من الدول، ورغم أن هذا القطاع يوفر فرصا آنية للدخل، إلا أنه يظل منخفض الإنتاجية، محدود الحماية الاجتماعية، وغير قادر على توليد تراكم رأسمالي مستدام.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في خلق فرص عمل، بل في تحويل طبيعة هذه الفرص من أنشطة هامشية إلى أنشطة منتجة وقابلة للنمو.

في المقابل، تفتح التحولات الرقمية نافذة استراتيجية غير مسبوقة أمام القارة، فمع وصول عدد مستخدمي الإنترنت إلى ما يقارب 570 مليون مستخدم، وانتشار الهواتف المحمولة بمعدلات تتجاوز 80 في المئة في بعض الدول، أصبح بالإمكان إعادة تعريف العلاقة بين التعليم والعمل.

ظهرت نماذج مبتكرة في مجالات التكنولوجيا المالية، والزراعة الرقمية، والتجارة الإلكترونية، والتعليم عن بعد، تمكن الشباب من تجاوز القيود الجغرافية والدخول في سلاسل القيمة العالمية، كما أن الاقتصاد الحر والعمل عن بعد يتيحان للشباب الإفريقي تقديم خدماتهم لأسواق خارجية، مما يخلق مصادر دخل جديدة بالعملات الأجنبية.

غير أن هذه الفرصة الرقمية تظل غير متكافئة، إذ لا تزال الفجوة الرقمية قائمة بين الحضر والريف، وبين الدول الساحلية والدول الحبيسة، كما تعاني العديد من الدول من ضعف في البنية التحتية الرقمية، وارتفاع تكلفة الإنترنت مقارنة بمستويات الدخل، وبالتالي، فإن الاستثمار في البنية الرقمية لا يقل أهمية عن الاستثمار في التعليم ذاته، بل يشكل امتدادا له.

ومن زاوية أكثر عمقا، فإن إعادة صياغة منظومة التعليم تمثل المدخل الحاسم لإعادة توجيه مسار التنمية في إفريقيا، فالنماذج التعليمية التقليدية القائمة على الحفظ والتلقين لم تعد قادرة على تلبية احتياجات اقتصاد متغير يعتمد على الابتكار والمرونة.

المطلوب هو الانتقال إلى تعليم قائم على المهارات، يدمج بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، ويركز على مجالات مثل العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، إلى جانب المهارات الناعمة مثل التفكير النقدي، والعمل الجماعي، وريادة الأعمال.

كما أن التعليم الفني والتقني يجب أن يستعيد مكانته كأحد أعمدة التنمية، بدلا من النظر إليه كخيار ثانوي.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص، حيث يمكن للقطاع الخاص أن يلعب دورا محوريا في تصميم المناهج التدريبية، وتوفير فرص التدريب العملي، وربط التعليم باحتياجات السوق.

كما أن المؤسسات المالية مطالبة بتطوير أدوات تمويل مبتكرة تستهدف رواد الأعمال الشباب، مثل التمويل متناهي الصغر، ورأس المال المخاطر، وصناديق الاستثمار الموجهة للشركات الناشئة.

ولا يمكن إغفال البعد الإقليمي، حيث تمثل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية واحدة من أهم المبادرات الاستراتيجية في تاريخ القارة، بإجمالي سوق يتجاوز 1.3 مليار نسمة وناتج محلي إجمالي يقارب 3.4 تريليون دولار، هذه المبادرة، إذا ما تم تفعيلها بكفاءة، يمكن أن تخلق بيئة مواتية لنمو الشركات الناشئة وتوسعها عبر الحدود، مما يعزز من فرص التشغيل ويزيد من معدلات الإنتاجية.

غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تنسيقا عميقا في السياسات، وتوحيدا للمعايير، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية العابرة للحدود.

ومن منظور مصري، فإن الانخراط الفاعل في هذه المعادلة يمثل ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار سياس، فمصر تمتلك خبرات متراكمة في مجالات التعليم الفني، والبنية التحتية، والتحول الرقمي، يمكن توظيفها لدعم مسارات التنمية في إفريقيا، كما أن تعزيز الاستثمارات المصرية في القطاعات الإنتاجية داخل القارة، خاصة تلك التي تعتمد على العمالة الكثيفة، يمكن أن يسهم في خلق فرص عمل حقيقية، وتعزيز التكامل الاقتصادي.

 

معادلة الشباب الإفريقي والتعليم وريادة الأعمال ليست معادلة خطية يمكن حلها بإجراء واحد أو سياسة منفردة، بل هي منظومة متشابكة تتطلب رؤية شاملة، وإرادة سياسية، وتنسيقا مؤسسيا عميقا، فإفريقيا لا تعاني من نقص في الإمكانات، بل من فجوة في توظيف هذه الإمكانات ضمن إطار استراتيجي متكامل، وإذا ما نجحت القارة في سد هذه الفجوة، فإنها لن تكون فقط أحد مراكز النمو في العالم، بل قد تتحول إلى محرك رئيسي لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي في العقود القادمة.

 

وفي المحصلة، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق بعدد الشباب، بل بنوعية الفرص التي تقدم لهم، ولا بعدد المدارس والجامعات، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة والمهارة، ولا بعدد الشركات الناشئة، بل بقدرتها على البقاء والنمو.

إنها معركة بناء المستقبل، حيث لا مكان للحلول الجزئية أو الرؤى قصيرة المدى، بل فقط للاستراتيجيات القادرة على تحويل التحديات إلى مصادر قوة، والكتلة البشرية إلى قيمة مضافة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى