رامي زهدي يكتب.. «اقتصاد الحرب والسلام في القارة الإفريقية»
الكاتب — خبير الشؤون الإفريقية — نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيجية

“حين تتحول البنادق إلى ميزانيات ويتحول السلام إلى استثمار مؤجل”
لم تعرف قارة مثلما عرفت إفريقيا هذا التلازم القاسي بين الحرب والسلام، كأنهما وجهان لعملة واحدة تتداولها الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد في آن واحد، فعلى امتداد عقود طويلة، لم تكن الحروب في إفريقيا استثناء عابرا ولا السلام حالة مستقرة، بل ظلا معا في حالة شد وجذب دائمين، تتراجع واحدة لتتقدم الاخرى، ثم لا تلبث الدائرة أن تدور من جديد.
في إفريقيا، غالبا ما يولد السلام من رحم حرب، وغالبا ايضا ما يكون هذا السلام ذاته مقدمة لحرب لاحقة، حين تفشل شروط الاستدامة الاقتصادية، أو حين يعاد إنتاج مظالم قديمة في ثوب جديد.
هذه الجدلية لا يمكن فهمها خارج إطار الاقتصاد، ليس بوصفه نتيجة ثانوية للصراع، بل باعتباره أحد محركاته الأساسية، وأحد أدوات إدارته، وأحيانا أحد أهدافه غير المعلنة.
فالحرب في إفريقيا ليست فقط صراعا على السلطة أو الهوية أو النفوذ، بل هي في جوهرها صراع على الموارد، على طرق التجارة، على المعادن النادرة، على الأراضي الخصبة، وعلى الموانئ والممرات، وعلى فرص الحياة نفسها في سياقات تعاني هشاشة بنيوية في الاقتصاد والتنمية.
الاقتصاد في حالات كثيرة لا يقف على الهامش، بل يتقدم إلى قلب المشهد، يسرع اندلاع الحروب حين يختنق، ويطيل أمدها حين يتحول إلى اقتصاد مواز قائم على العنف، ويعطل مسارات السلام حين لا يجد الفاعلون مصلحة حقيقية في إيقاف النزيف.
وفي المقابل، يصبح الاقتصاد نفسه جسرا للسلام حين تتوفر الإرادة لإعادة توجيه الموارد من منطق الغنيمة إلى منطق التنمية، ومن منطق السلاح إلى منطق الاستثمار.
الأرقام هنا ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل شواهد دامغة على عمق المأزق.
القارة الإفريقية، التي تضم نحو 18 في المئة من سكان العالم، لا تتجاوز مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي العالمي 3 في المئة تقريبا.
في المقابل، تستحوذ على ما يزيد عن 40 في المئة من النزاعات المسلحة النشطة عالميا خلال العقدين الأخيرين.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الدول الإفريقية المتأثرة بالصراعات تخسر سنويا ما بين 2 إلى 4 في المئة من نموها الاقتصادي المحتمل، فيما ترتفع نسب الفقر فيها بمعدلات تفوق ضعف المتوسط القاري.
وفي دول مثل جنوب السودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والسودان، ومالي، لا يمكن فصل استمرار الصراع عن اقتصاديات الحرب التي خلقت شبكات مصالح معقدة يصعب تفكيكها.
اقتصاد الحرب في إفريقيا له ملامح واضحة، وإن اختلفت التفاصيل من دولة إلى أخرى.
هو اقتصاد يقوم على العنف كوسيلة إنتاج، وعلى الفوضى كبيئة عمل، وعلى غياب الدولة أو ضعفها كشرط للاستمرار.
وتتراجع فيه القطاعات الإنتاجية الشرعية، ويصعد اقتصاد التهريب، وتجارة السلاح، والذهب غير الرسمي، والأحجار الكريمة، والأخشاب، والبشر.
في هذا الاقتصاد، تتحول الميليشيات إلى فاعلين اقتصاديين، وتصبح السيطرة على منجم أو معبر حدودي أو طريق إمداد أكثر أهمية من السيطرة على العاصمة نفسها.
وتشير بيانات أممية إلى أن أكثر من 60 في المئة من تمويل الجماعات المسلحة في إفريقيا يأتي من أنشطة اقتصادية غير مشروعة مرتبطة مباشرة بالموارد الطبيعية.
في المقابل، اقتصاد السلام له منطق مغاير تماما، لكنه أكثر تعقيدا في التحقق.
هو اقتصاد طويل النفس، لا يحقق أرباحا سريعة، لكنه يراكم استقرارا مستداما.
يقوم على إعادة بناء الثقة، لا فقط بين الدولة والمواطن، بل بين الفاعلين الاقتصاديين المحليين والدوليين.
يحتاج إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية، والتعليم، والصحة، وإعادة دمج المقاتلين السابقين في سوق العمل، وهي عمليات مكلفة سياسيا وماليا، لكنها أقل كلفة بكثير من استمرار الحرب.
وتشير دراسات إفريقية إلى أن كل دولار يستثمر في منع النزاعات وبناء السلام يوفر ما بين 5 إلى 7 دولارات كانت ستنفق لاحقا على إدارة الصراع وتداعياته الإنسانية والأمنية.
الفارق الجوهري بين اقتصاد الحرب واقتصاد السلام لا يكمن فقط في طبيعة الأنشطة، بل في طبيعة المستفيدين.
في اقتصاد الحرب، تستفيد أقلية ضيقة، غالبا ما تكون مسلحة أو مرتبطة بها، بينما تدفع الأغلبية الساحقة من الشعوب الثمن، فقرا وتشريدا وفقدانا للأمل.
أكثر من 35 مليون إفريقي اليوم نازحون أو لاجئون بسبب النزاعات، وأكثر من نصفهم من الأطفال، وهؤلاء لا يظهرون في حسابات الربح والخسارة لدى أمراء الحرب، لكنهم يشكلون الخسارة الحقيقية لأي مجتمع.
أما في اقتصاد السلام، فالمستفيد الحقيقي هو المجتمع ككل، وإن تأخر الحصاد، حيث تتحسن مؤشرات التنمية، تنخفض معدلات البطالة، تتوسع الطبقة الوسطى، ويصبح الاستقرار عامل جذب للاستثمار بدلا من كونه مخاطرة. رواندا مثال لافت في هذا السياق، إذ انتقلت خلال أقل من ثلاثة عقود من واحدة من أبشع الحروب الأهلية إلى اقتصاد يحقق متوسط نمو سنوي تجاوز 7 في المئة، مع تراجع كبير في معدلات الفقر، بفضل ربط السلام بإصلاح اقتصادي صارم وجاذب للاستثمار.
لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى التأثيرات الأوسع.
تنامي اقتصاديات الحرب في إفريقيا لا يضر القارة وحدها، بل يترك بصمته السلبية على الاقتصاد العالمي.
اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار بعض السلع الاستراتيجية، وتزايد الهجرة غير النظامية، وانتشار الجريمة العابرة للحدود، كلها نتائج مباشرة لاقتصاديات الصراع، ويكفي أن نعلم أن أكثر من 20 في المئة من المعادن النادرة المستخدمة في الصناعات التكنولوجية الحديثة تأتي من مناطق إفريقية تعاني نزاعات، ما يجعل الاستقرار هناك مسألة مصلحة عالمية لا مجرد شأن محلي.
يبقى السؤال الجوهري: من يدفع الثمن الأغلى في معادلة الحرب والسلام؟ الواقع يقول إن الشعوب هي الخاسر الأكبر في اقتصاد الحرب، وهي الرابح المؤجل في اقتصاد السلام.
أما الدول والحكومات، فغالبا ما تتأرجح بين عجز عن كبح اقتصاد الحرب حين يترسخ، وتردد في الاستثمار الجريء في اقتصاد السلام حين تكون كلفته السياسية عالية على المدى القصير.
غير أن التاريخ الإفريقي الحديث يثبت أن السلام الذي لا يترجم إلى مشروع اقتصادي عادل وشامل، يظل سلاما هشا، سرعان ما تبتلعه دورة صراع جديدة.
إن الحديث عن اقتصاد الحرب والسلام في إفريقيا ليس تمرينا نظريا، بل هو قراءة في مصير قارة تقف عند مفترق طرق.
إما أن تستمر كمساحة مفتوحة لتدوير الصراعات تحت عناوين مختلفة، أو أن تعيد صياغة معادلتها عبر اقتصاد يسبق السياسة، ويعالج جذور العنف قبل أن تعالجه الجيوش.
في إفريقيا، كما في غيرها، السلام ليس مجرد توقيع على اتفاق، بل هو قرار اقتصادي شجاع، يدرك أن الاستثمار في الإنسان أقل ضجيجا من السلاح، لكنه أكثر قدرة على حسم المعركة مع المستقبل.


