«إفريقيا تتابع.. خمسة عشر عاما على 25 يناير المصرية… من لحظة الصدمة إلى هندسة الدولة»

“كثير من النخب الإفريقية باتت ترى في التجربة المصرية نموذجا لدولة كادت أن تسقط، لكنها أعادت بناء نفسها دون أن تتفكك”
رامي زهدي — عضو الهيئة العليا لحزب الوعي
في مطلع عام 2026 تقف مصر أمام لحظة تاريخية فارقة، ليس فقط لأنها تمر خمسة عشر عاما كاملة على ثورة 25 يناير 2011، بل لأنها تملك اليوم شجاعة النظر إلى تلك اللحظة دون رومانسية زائدة أو شيطنة انتقائية، ودون خوف من طرح السؤال الأصعب: ماذا حدث فعلا؟ وكيف تحولت الصدمة إلى مسار، والهدم إلى بناء، والاحتجاج إلى دولة تعيد تعريف نفسها في محيط إقليمي وقاري شديد الاضطراب؟
للثورات دائما ما لها وما عليها، وهذه حقيقة لا يجادل فيها عاقل أو باحث منصف.
ثورة 25 يناير لم تكن استثناء من هذه القاعدة، بل ربما كانت تجسيدا مكثفا لها.
فقد خرجت من رحم غضب اجتماعي وسياسي واقتصادي تراكم لعقود، عبرت عن انسداد أفق، واختناق فرص، وشعور عام بأن الدولة فقدت قدرتها على الاستجابة لتطلعات أجيال جديدة، خصوصا جيل شاب تجاوز في حينه 60 في المئة من السكان، كانت الثورة صادقة في دوافعها، عفوية في انفجارها، لكنها كانت أيضا مفتوحة على كل الاحتمالات، بما فيها الاحتمالات الأسوأ، وهو ما شهدناه لاحقا.
ما لا يمكن إنكاره، مهما اختلفت الزوايا السياسية أو الأيديولوجية، أن 25 يناير كانت حدثا حقيقيا، لا وهما ولا مؤامرة مصنوعة في فراغ.
كانت نقطة كسر في مسار الدولة المصرية، كشفت هشاشات عميقة في بنية الحكم والإدارة والاقتصاد، وأزاحت الستار عن فجوة واسعة بين المجتمع ومؤسساته،
و هذه الحقيقة وحدها كافية لتأكيد أن ما قبل 2011 لم يكن قابلا للاستمرار، وأن الانفجار كان مسألة وقت لا أكثر.
لكن الإقرار بكونها حدثا حقيقيا لا يعني تبرئة كل ما ترتب عليها، فقد أدخلت مصر، خلال أعوام قليلة، في واحدة من أعنف مراحل السيولة السياسية والأمنية والاقتصادية في تاريخها الحديث، أرقام الاقتصاد كانت كاشفة: الاحتياطي النقدي تراجع من نحو 36 مليار دولار قبل 2011 إلى ما يقارب 15 مليارا في 2013، معدلات النمو هبطت إلى أقل من 2 في المئة، السياحة فقدت أكثر من نصف إيراداتها، والاستثمار الأجنبي المباشر تراجع بنسب تجاوزت 60 في المئة في بعض الأعوام، والدولة نفسها بدت وكأنها على حافة التفكك الوظيفي.
هنا يبرز جوهر التحول التاريخي الذي لا يمكن فهم 25 يناير بمعزل عنه، وهو 30 يونيو 2013،ليس بوصفه نفيا للثورة الأولى، بل بوصفه لحظة تصحيح قاسية لمسار انحرف سريعا من محاولة تغيير إلى تهديد وجودي للدولة، وما بين يناير ويونيو لم يكن صراعا سياسيا تقليديا، بل صداما بين تصورين للدولة: دولة وطنية حديثة، ودولة مختطفة لصالح جماعة عابرة لفكرة الوطن نفسها.
منذ تلك اللحظة، بدأت مصر رحلة مختلفة، رحلة شاقة ومكلفة، لكنها أكثر وضوحا من حيث الهد، ثم التحول من نموذج الهدم، الذي ساد سنوات الفوضى، إلى نموذج بناء شامل، لم يكن قرارا سهلا ولا شعبيا دائما، وبناء الدولة بعد الانهيار الجزئي لا يتم بالخطابات، بل بإعادة تأسيس الاقتصاد، والبنية التحتية، ومفهوم الأمن القومي بمعناه الواسع.
الأرقام هنا ليست دعاية، بل جزء من قراءة موضوعية للمسار، ففي خلال عقد واحد، ضخت الدولة المصرية استثمارات تجاوزت 7 تريليونات جنيه في البنية التحتية، من طرق وموانئ ومدن جديدة وشبكات طاقة، وشبكة الطرق وحدها أضيف إليها ما يقارب 7 آلاف كيلومتر، ما خفض تكاليف النقل وربط مناطق كانت معزولة لعقود، وفي الطاقة، تحولت مصر من دولة تعاني عجزا حادا في الكهرباء إلى دولة تحقق فائضا وتصدره، بإجمالي قدرات تجاوزت 59 جيجاوات، أما في الإسكان، فقد تم إنشاء آلاف الوحدات، ومدن كاملة من الصفر، ليس كترف عمراني، بل كجزء من إعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية.
لكن الأهم من الإسمنت والخرسانة هو التحول في فلسفة الدولة نفسها، الجمهورية المصرية الجديدة، كما تتشكل ملامحها، ليست مجرد شعار، بل محاولة واعية لإعادة تعريف علاقة الدولة بالمواطن، وبالاقتصاد، وبالإقليم.
فالدولة التي انهكتها المركزية المفرطة بدأت، ولو ببطء، في إدراك أن الاستقرار لا يقوم فقط على القبضة الأمنية، بل على التنمية، والعدالة النسبية، وبناء فرص حقيقية.
في هذا السياق، يصبح السؤال عن موقع مصر إفريقيا بعد خمسة عشر عاما من 2011 سؤالا محوريا، إفريقيا التي تابعت الثورة باندهاش، ثم تابعت سنوات الفوضى بقلق، تنظر اليوم إلى مصر بعيون مختلفة، كثير من النخب الإفريقية باتت ترى في التجربة المصرية نموذجا لدولة كادت أن تسقط، لكنها أعادت بناء نفسها دون أن تتفكك، في قارة شهدت أكثر من 20 انقلابا عسكريا خلال العقدين الأخيرين، وعشرات النزاعات الأهلية، تصبح فكرة استعادة الدولة ذاتها إنجازا سياسيا.
هذا الإدراك ينعكس في الأرقام والعلاقات، حجم التبادل التجاري بين مصر والدول الإفريقية تضاعف تقريبا خلال عقد، متجاوزا 10 مليارات دولار، والاستثمارات المصرية في القارة توسعت في قطاعات البنية التحتية، والدواء، والإنشاءات، والطاقة.
الدور المصري في ملفات السلم والأمن الإفريقي، من السودان إلى القرن الإفريقي، لم يعد هامشيا، بل جزءا من معادلة إقليمية تعترف بثقل القاهرة.
بعد خمسة عشر عاما، يمكن القول إن 25 يناير لم تكن نهاية الدولة، بل بداية مخاض طويل ومؤلم لإعادة تشكيلها، كانت جرس إنذار قاسيا، دفع ثمنا باهظا، لكنه كشف أن الجمود أخطر من التغيير، وأن غياب الإصلاح المنظم يفتح الباب للفوضى، وما كان لما نراه اليوم من إعادة بناء، بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات، أن يحدث لولا تلك الصدمة الأولى، ثم لولا لحظة التصحيح في 30 يونيو.
التاريخ لا يكتب بالعواطف، بل بالنتائج، ونتيجة خمسة عشر عاما تقول إن مصر انتقلت، رغم كل التحديات، من دولة على حافة الانهيار إلى دولة تحاول أن تصوغ لنفسها مكانا جديدا في عالم مضطرب. قد نختلف حول التفاصيل، وقد ننتقد السياسات، وهذا حق بل واجب، لكن إنكار المسار نفسه يصبح نوعا من العمى السياسي.
هكذا، ونحن نغلق الدائرة بين 2011 و2026، لا نحتاج إلى تمجيد أعمى ولا إلى جلد ذاتي دائم، بل إلى قراءة عقلانية ترى الثورة كحدث كان حتمياً، والتصحيح كضرورة، والبناء كخيار وحيد أمام دولة قررت، أخيرا، ألا تموت.


