مقالات

تفعيل الإشراف الهندسي.. حماية للأرواح قبل أن يكون إجراءً ورقيًا

القاهرة- إعداد- محمد رمضان العشري (مهندس تخطيط عمراني)

في ظل ما تشهده المدن المصرية من توسع عمراني متسارع، يصبح الحديث عن الإشراف الهندسي على أعمال البناء ضرورة تتعلق بسلامة المواطنين وجودة العمران، وليس مجرد إجراء إداري يُستكمل ضمن أوراق الترخيص أو توصيل المرافق.

القانون المصري ألزم بوجود إشراف هندسي على أعمال البناء الجديدة وأعمال الترميم، باعتبار أن وجود مهندس متخصص يتابع التنفيذ يمثل أحد أهم ضمانات السلامة الإنشائية والمعمارية. ولإثبات ذلك، يتقدم مالك العقار بشهادة إشراف هندسي معتمدة من مهندس مقيد بالنقابة، ثم تُعتمد من نقابة المهندسين لاستكمال الإجراءات الرسمية أمام الجهات المختصة.

لكن الواقع العملي كشف عن وجود إشكالية تستحق المواجهة. فبعض شهادات الإشراف تُستخرج بصورة شكلية دون وجود إشراف فعلي على التنفيذ. وأصبحت الشهادة لدى البعض مجرد مستند يُستخدم لإنهاء إجراءات توصيل المرافق أو استكمال الملفات الإدارية، بينما يغيب الدور الحقيقي للمهندس في متابعة الأعمال ميدانيًا.

الأخطر من ذلك أن بعض هذه الشهادات يتم إصدارها مقابل أتعاب محدودة للغاية، دون معاينة حقيقية أو متابعة للموقع، ثم تُلغى لاحقًا من جانب المهندس حتى لا تُحتسب ضمن الحد المسموح به من الشهادات خلال فترة زمنية معينة. وهنا نكون أمام وضع تبدو فيه الأوراق صحيحة من الناحية الشكلية، بينما تغيب الحقيقة الفنية على أرض الواقع.

هذه الممارسات لا تضر فقط بمنظومة البناء، بل تؤدي إلى نتائج خطيرة على المجتمع بأكمله. فغياب الإشراف الحقيقي يعني السماح بتنفيذ مبانٍ قد لا تخضع لتصميم معماري أو إنشائي سليم، ولا تحقق الحد الأدنى من معايير الأمان والجودة، وهو ما ينعكس في النهاية على سلامة السكان والثروة العقارية للدولة.

كما أن استمرار هذا الوضع يخلق مشكلة مهنية واقتصادية للمهندسين أنفسهم. فعندما يقتنع المواطن بإمكانية الحصول على ”ورقة“ دون إشراف فعلي، تتراجع قيمة الخدمة الهندسية الحقيقية، وتضيق فرص العمل أمام المهندسين الملتزمين الذين يسعون لتقديم دور مهني جاد يحفظ سلامة المنشآت وحقوق المجتمع.

ومن هنا يبرز التساؤل المشروع حول دور نقابة المهندسين في مواجهة هذه الظاهرة، خاصة في بعض النقابات الفرعية التي تحولت فيها شهادات الإشراف — وفق ما يتردد بين العاملين بالمجال — إلى إجراء روتيني يفتقد في أحيان كثيرة لجوهره المهني الحقيقي.

إن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإصدار شهادات أو أختام، وإنما بناء منظومة رقابية حقيقية تضمن أن يكون الإشراف الهندسي قائمًا بالفعل على أرض الواقع، من خلال المتابعة الميدانية والتوثيق والمحاسبة المهنية الرادعة لكل من يسيء استخدام صلاحياته.

فالمهندس ليس مجرد مُوقع على أوراق، بل هو خط الدفاع الأول عن سلامة العمران وجودة البناء. وعندما تتحول بعض شهادات الإشراف إلى أوراق شكلية، فإن الخسارة لا تقع على المهنة وحدها، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله.

وربما أصبحت الحاجة ملحة اليوم للانتقال من مفهوم ”شهادة الإشراف الورقية“ إلى منظومة إشراف هندسي رقمية متكاملة، تقوم على توثيق مراحل التنفيذ ميدانيًا عبر تطبيق إلكتروني مرتبط بسجلات نقابة المهندسين.

بحيث يلتزم المهندس المشرف برفع تقارير فنية وصور موثقة لكل مرحلة من مراحل البناء، بدءًا من أعمال الحفر والأساسات، مرورًا بالهيكل الخرساني، وحتى التشطيبات الخارجية، مع تحديد الموقع والتوقيت إلكترونيًا.

وعند اكتمال المراحل المطلوبة واعتمادها رقميًا، تُصدر شهادة صلاحية المبنى للإشغال تلقائيًا دون الحاجة إلى الأختام الورقية التقليدية، بما يضمن وجود إشراف فعلي حقيقي، ويحفظ حقوق المواطن والمهندس والدولة معًا.

فمصرنا الحديثة لا ينبغي أن تعتمد على الثقة المجردة في الإجراءات، بل على أنظمة رقمية تجعل التلاعب أكثر صعوبة، وتعيد للمهنة قيمتها الحقيقية وتعيد لمصر رونقها العمراني الذي استعادته الدولة في مشروعاتها ولكن بانتظار استعادته في بيوت المصريين.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى