مقالات

رامي زهدي يكتب… الفن ذاكرة القارة الإفريقية

نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيجية

لم يعد الفن في إفريقيا مجرد نشاط جمالي مرتبط بالترفيه أو التعبير الثقافي التقليدي، بل تحول خلال العقود الأخيرة إلى أحد أهم أدوات تشكيل الوعي السياسي وإعادة بناء الإدراك الجمعي داخل المجتمعات الإفريقية، خاصة في ظل التحولات العميقة التي شهدتها القارة على مستويات الهوية والسيادة والتنمية والصراع على النفوذ، فالقارة التي عاشت لعقود طويلة تحت وطأة الاستعمار المباشر، ثم عانت لاحقا من الاستعمار الاقتصادي والاختراق الثقافي والتفكيك الإثني والصراعات المسلحة، أدركت تدريجيا أن معركة التحرر الحقيقي لا يمكن اختزالها في البندقية أو الدبلوماسية وحدهما، بل تبدأ من الوعي، وأن الفن بمختلف تجلياته يمثل أحد أخطر الأسلحة الناعمة القادرة على إعادة صياغة الإنسان الإفريقي نفسه.

ولعل الملاحظة الأهم في التجربة الإفريقية المعاصرة هي أن الفن لم يعد يتحرك في الهامش، بل انتقل إلى قلب المجال السياسي والاجتماعي، فالأغنية، والمسرح، والسينما، والرسم، والرقص، والأدب، وحتى فنون الشارع والجرافيتي، تحولت إلى منصات خطاب سياسي موازية للمؤسسات التقليدية، بل ربما أكثر تأثيرا منها في بعض البيئات، ذلك لأن الفن يمتلك قدرة استثنائية على تجاوز الحواجز الطبقية والتعليمية واللغوية، والوصول المباشر إلى الوجدان الشعبي، وهو ما جعل النخب السياسية والحركات الاجتماعية وحتى القوى الدولية تدرك مبكرا أهمية السيطرة على المجال الثقافي والفني داخل إفريقيا.

ومن يراقب التحولات السياسية الكبرى داخل القارة خلال العقود الستة الأخيرة، سيلاحظ أن الفن كان دائما حاضرا بوصفه أداة تعبئة وحشد وإعادة تعريف للذات الوطنية، ففي مرحلة حركات التحرر الوطني خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لعبت الأغنية الثورية دورا محوريا في تعبئة الجماهير ضد الاستعمار الأوروبي، وفي الجزائر وأنجولا وموزمبيق وجنوب إفريقيا وغينيا بيساو، لم تكن الموسيقى مجرد خلفية عاطفية للنضال، بل كانت جزءا من البنية التعبوية للمقاومة نفسها، وقد أدركت حركات التحرر آنذاك أن المعركة ليست عسكرية فقط، بل معركة رواية وهوية وذاكرة.

وفي جنوب إفريقيا تحديدا، شكل الفن أحد أعمدة مقاومة نظام الفصل العنصري، فالأغاني الاحتجاجية التي ارتبطت بحركة المؤتمر الوطني الإفريقي، والأعمال المسرحية التي فضحت بنية التمييز العنصري، ساهمت في خلق حالة ضغط دولي وشعبي غير مسبوقة، وتشير تقديرات مؤسسات ثقافية جنوب إفريقية إلى أن أكثر من 70% من الإنتاج الموسيقي الشعبي خلال الثمانينيات كان يحمل رسائل سياسية مباشرة أو غير مباشرة مرتبطة بمناهضة التفرقة العنصرية، ولم يكن ذلك مجرد إنتاج فني، بل كان إعادة هندسة للوعي الجمعي الأسود داخل الدولة.

وفي نيجيريا، برز نموذج الفنان المناضل بصورة أكثر وضوحا عبر التجربة الموسيقية الشهيرة التي استطاعت تحويل موسيقى الأفروبيت إلى منصة مواجهة سياسية ضد الفساد والديكتاتورية العسكرية والتبعية الغربية، بعد أن أدرك فيلا كوتي مبكرا أن الجماهير قد تنسى خطابات السياسيين، لكنها لا تنسى الأغاني التي تتحول إلى جزء من وجدانها اليومي، ومن هنا جاءت خطورة الفن السياسي في إفريقيا، لأنه لا يخاطب العقل فقط، بل يعيد تشكيل الحس الجمعي للأمم.

ومع دخول القارة إلى العصر الرقمي، توسع دور الفن بصورة أكثر تعقيدا وتأثيرا، فوسائل التواصل الاجتماعي حولت الفنان الإفريقي من مجرد منتج محلي إلى فاعل سياسي عابر للحدود، وتشير بيانات الاتحاد الإفريقي إلى أن نسبة الشباب تحت سن 35 عاما تتجاوز 60% من سكان القارة، وهي الكتلة الأكثر استهلاكا للفنون الرقمية والمحتوى البصري والموسيقي، وبالتالي أصبح الفن أداة مباشرة للتأثير السياسي على أكبر كتلة ديموغرافية داخل إفريقيا.

وفي هذا السياق، ظهرت موجة جديدة من الفنانين الذين يمزجون بين الإبداع الفني والخطاب السياسي والاجتماعي، خاصة في دول مثل نيجيريا وكينيا وجنوب إفريقيا والسنغال وغانا، وخلال احتجاجات سياسية في نيجيريا عام 2020، لعب الفنانون والموسيقيون دورا محوريا في تعبئة الرأي العام ضد عنف الشرطة، حتى أن بعض الدراسات الإعلامية أشارت إلى أن الوسوم الفنية والمحتوى الموسيقي المرتبط بالحراك تجاوزت مشاهداته مئات الملايين خلال أسابيع قليلة فقط، وهو ما كشف عن تحول الفن إلى ماكينة تعبئة رقمية قادرة على خلق ضغط سياسي فعلي.

ولم يعد تأثير الفن مقتصرا على الداخل الوطني، بل بات جزءا من أدوات القوة الناعمة الإفريقية على المستوى الدولي، فصعود السينما النيجيرية المعروفة باسم نوليوود يمثل نموذجا بالغ الأهمية في هذا الإطار، فهذه الصناعة التي تنتج سنويا ما يزيد على 2500 فيلم، وتقدر قيمتها الاقتصادية بأكثر من 6 مليارات دولار وفق بعض التقديرات، لم تعد مجرد قطاع ترفيهي، بل أصبحت وسيلة لتصدير الرواية الإفريقية وإعادة تقديم الإنسان الإفريقي للعالم خارج الصور النمطية التي كرستها بعض وسائل الإعلام الغربية لعقود طويلة.

وخطورة الصورة الذهنية تكمن في أنها تتحول مع الوقت إلى بنية سياسية واقتصادية تؤثر على الاستثمار والسياحة والعلاقات الدولية وحتى التفاوض الجيوسياسي، ولذلك فإن معركة الفن في إفريقيا ليست معركة ثقافية فقط، بل معركة سيادة أيضا، فالقارة التي ظلت لعقود موضوعا للرواية الغربية، بدأت تدريجيا في استعادة حقها في رواية ذاتها بنفسها، وهو تحول بالغ الأهمية في مسار الوعي الإفريقي الجديد.

ومن اللافت أيضا أن الفن الإفريقي الحديث لم يعد منفصلا عن القضايا الاقتصادية والتنموية، فالكثير من الأعمال الفنية المعاصرة باتت تناقش قضايا الفقر والبطالة والهجرة غير الشرعية والديون والتغير المناخي والفساد الإداري والاختلالات البنيوية في الاقتصاد الإفريقي، وهنا يظهر الفن بوصفه آلية لإعادة تسليط الضوء على القضايا المسكوت عنها داخل المجال العام، خاصة في البيئات التي تعاني من ضعف المؤسسات الإعلامية أو تضييق المجال السياسي التقليدي.

وتشير تقديرات منظمة اليونسكو إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية تساهم بأكثر من 4.3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بينما لا تزال مساهمة إفريقيا في هذا القطاع أقل بكثير من إمكاناتها الحقيقية، رغم أن القارة تمتلك واحدا من أغنى التنوعات الثقافية في العالم، وهو ما يعني أن الاستثمار في الفن والثقافة داخل إفريقيا لا يمثل فقط رافعة للوعي السياسي، بل أيضا مدخلا اقتصاديا واستراتيجيا بالغ الأهمية.

وفي الحقيقة، فإن أخطر ما يميز الفن الإفريقي المعاصر هو قدرته على الجمع بين المحلي والعابر للحدود في آن واحد، فالفنان الإفريقي اليوم لم يعد أسير حدود الدولة الوطنية، بل أصبح جزءا من خطاب إفريقي جامع يتقاطع مع قضايا الهوية والسيادة والوحدة الإفريقية والتحرر الاقتصادي، وهذا ما يفسر تصاعد حضور الرموز الإفريقية المشتركة داخل الأعمال الفنية الحديثة، سواء عبر الموسيقى أو السينما أو الأدب أو الفنون البصرية.

كما أن الفن بات يلعب دورا مهما في تفكيك النزاعات وإعادة بناء السلم الاجتماعي داخل الدول الخارجة من الصراعات، ففي رواندا مثلا، استخدمت برامج الفنون المجتمعية والمسرح التفاعلي بعد الإبادة الجماعية كوسائل للمصالحة وإعادة بناء الثقة المجتمعية، وفي سيراليون وليبيريا، جرى توظيف الموسيقى والدراما المحلية ضمن برامج إعادة الدمج المجتمعي بعد الحروب الأهلية، وهذا يكشف أن الفن في إفريقيا لم يعد ترفا نخبويا، بل أصبح جزءا من أدوات الأمن المجتمعي وإدارة التحولات الوطنية.

غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه الفن الإفريقي اليوم يتمثل في محاولات الاحتواء والتسليع والاختراق الخارجي، فبعض القوى الدولية باتت تدرك جيدا خطورة المجال الثقافي الإفريقي، وتسعى إلى توظيفه ضمن أدوات النفوذ الناعم وإعادة تشكيل الوعي بما يخدم مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية، وهنا تكمن ضرورة بناء مشروع ثقافي إفريقي مستقل، لا يكتفي بإنتاج المحتوى، بل يمتلك أيضا أدوات التمويل والتوزيع والمنصات الرقمية ومؤسسات التدريب والتأهيل.

كما أن كثيرا من الدول الإفريقية لا تزال تتعامل مع الثقافة والفن باعتبارهما قطاعا ثانويا، رغم أن التجارب الدولية أثبتت أن الصناعات الإبداعية تمثل أحد أهم مصادر القوة الناعمة والتأثير السياسي في القرن الحادي والعشرين، فالدولة التي تملك القدرة على التأثير في الوعي الجمعي للشعوب، تملك بالضرورة قدرة أكبر على التأثير في موازين السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي أمام إفريقيا لا يتعلق فقط بإنتاج فن أكثر انتشارا، بل بإنتاج فن أكثر وعيا بخصوصية اللحظة التاريخية التي تمر بها القارة، إفريقيا اليوم تخوض معركة متعددة المستويات؛ معركة موارد، ومعركة نفوذ، ومعركة هوية، ومعركة سردية. وفي قلب هذه المعارك جميعا يقف الفن بوصفه أحد أخطر ميادين الاشتباك الحضاري والسياسي.

لقد أدركت القوى الاستعمارية القديمة منذ وقت مبكر أن السيطرة على العقل أخطر من السيطرة على الأرض، ولذلك عملت لعقود على تفكيك البنية الثقافية الإفريقية وإضعاف ثقة الإنسان الإفريقي بذاته وتاريخه، واليوم، تبدو القارة في حاجة ماسة إلى مشروع فني وثقافي يعيد ترميم الوعي الإفريقي، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الفن أداة للتحرر لا مجرد مساحة للهروب من الواقع.

الفن الإفريقي في جوهره ليس مجرد لوحات أو أغان أو أفلام، بل هو وثيقة سيادية تعكس كيف ترى القارة نفسها، وكيف تريد أن يراها العالم. ولهذا فإن معركة الوعي في إفريقيا لن تحسم فقط داخل البرلمانات أو القصور الرئاسية أو المؤسسات الاقتصادية، بل أيضا داخل المسارح والاستوديوهات ودور السينما وجدران المدن وصفحات الشعر وإيقاعات الموسيقى، فحين تستعيد الأمم قدرتها على إنتاج معناها الخاص، تصبح أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها وصياغة مستقبلها.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى