رؤى

رامي زُهدي يكتب.. «مصر والضبعة النووية: خارطة الطريق لعصر نووي جديد في إفريقيا والعالم العربي»

 – خبير الشؤون الإفريقية – نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيچية

شهد اليوم 19 نوفمبر 2025، الحدث التاريخي والمتمثل في وضع هيكل الاحتواء لمفاعل الوحدة الأولى بمحطة الضبعة النووية، في حدث عالمي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الروسي عبر الفيديو كونفرنس، ليؤكد أن مصر دخلت مرحلة جديدة من التطوير الاستراتيجي للطاقة النووية، بما يعكس قدرة الدولة على إدارة مشاريع عالية التقنية وفق أعلى المعايير الدولية، ويضعها في قلب التطورات المستقبلية للطاقة النظيفة في إفريقيا والعالم العربي.

مشروع الضبعة النووي، الذي تنفذه روسيا بالتعاون مع مصر، يتضمن أربع وحدات بقدرة إجمالية تبلغ 4800 ميجاوات لكل وحدة، بإجمالي 19,200 ميجاوات عند التشغيل الكامل. تبلغ تكلفة المشروع نحو 30 مليار دولار أمريكي، وهو الأكبر في تاريخ الطاقة النووية في إفريقيا والعالم العربي،

الوحدة الأولى وصلت نسبتها في الإنشاءات المدنية والهيكلية إلى أكثر من 60%، ومن المتوقع أن تبدأ الاختبارات التجريبية خلال السنوات الثلاث المقبلة، يليها التشغيل الكامل لكل الوحدات الأربعة على مراحل تمتد حتى منتصف العقد المقبل.

من الناحية الاقتصادية، الطاقة النووية التي ستنتجها محطة الضبعة ستغطي نحو 20% من احتياجات الكهرباء الحالية في مصر، مع إمكانية زيادة هذه النسبة مستقبلياً لتغطية نحو 30% بعد تشغيل كامل المحطة، هذا الإنتاج سيقلل اعتماد مصر على الوقود الأحفوري بنحو 12 مليون طن سنوياً من الفحم والغاز، ويخفض الانبعاثات الكربونية بمئات الآلاف من الأطنان سنوياً، ما يدعم الالتزام المصري بمعاهدات البيئة العالمية ويعزز الاستدامة، كما سيتيح المشروع فرصاً لتصدير الكهرباء إلى دول الجوار عبر شبكات الربط الكهربائي الإقليمي، ما يجعل مصر مركزاً للطاقة النظيفة في إفريقيا والعالم العربي.

على المستوى الإفريقي، جنوب إفريقيا تمتلك تاريخاً نووياً يمتد لعقود، مع محطتين نوويتين تولدان نحو 1,800 ميجاوات، بينما تدرس دول مثل نيجيريا وكينيا والمغرب برامج نووية محدودة، محطة الضبعة تجعل مصر الدولة الإفريقية الأولى التي تمتلك محطات نووية على البحر المتوسط، وتفتح المجال أمام القارة لتبني نماذج مشابهة للطاقة النظيفة، مع نقل التكنولوجيا والتدريب المتخصص للكوادر الإفريقية، ما يعزز التكامل الإقليمي ويضع مصر كمحور للمعرفة النووية في القارة.

التأثير الاستراتيجي للمشروع يتجاوز الإنتاج الكهربائي، فهو أداة لتعزيز السيادة الوطنية والتفوق التكنولوجي، ويمثل قاعدة لتطوير الصناعات الثقيلة والبحث العلمي والابتكار، الوحدة الأولى حالياً تحت الإنشاء المدني والهيكلي بنسبة 60%، أما الوحدة الثانية فبنسبة 45%، والثالثة 30%، والرابعة في المراحل الأولية للبنية التحتية، ما يعكس التخطيط الدقيق والتنفيذ المرحلي الذي يضمن الاستدامة والكفاءة التشغيلية.

هذا المشروع يؤسس لعصر نووي في المنطقة، عصر يستفيد من التوسع في البحث العلمي والتكنولوجيا النووية، ويخلق جيل جديد من الكوادر المؤهلة لإدارة محطات الطاقة النووية، كما يدعم الصناعات الوطنية ويعزز القدرة على الابتكار التقني، التعاون مع روسيا يتيح نقل المعرفة والتكنولوجيا، ويضمن تدريب آلاف المهندسين والفنيين المصريين والعرب والآفارقة، مع إمكانية توفير هذه الخبرات للدول الإفريقية الراغبة في تطوير برامجها النووية المستقبلية.

محطة الضبعة تمثل أيضاً فرصة استثمارية هائلة، حيث سيوفر المشروع آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، ويحفز تطوير القطاع الصناعي والخدماتي، مع إمكانيات واسعة لتصدير الطاقة والتقنية إلى الأسواق الإفريقية والعربية، ما يعزز التكامل الإقليمي ويضع مصر في قلب صناعة الطاقة النووية المستدامة.

إن محطة الضبعة النووية ليست مجرد إنجاز تقني، بل إعلان عن عصر جديد للطاقة المستدامة في مصر وإفريقيا والعالم العربي، مرحلة تعزز الاستقلال الطاقي، وتدعم التنمية الصناعية، وترسخ مصر كمركز استراتيجي للطاقة النظيفة. المشروع يمهد الطريق لشراكات إقليمية ودولية، ويتيح للقارة الإفريقية فرصة حقيقية للانطلاق نحو برامج طاقة نووية مستدامة، مما يجعل مصر نموذجاً قيادياً في دمج السيادة الوطنية مع التنمية التكنولوجية والطاقة النظيفة

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى