رؤى

الشيخ أحمد ترك يرد على مقال المفكر العربى علي محمد الشرفاء: الالتزام بقواعد الأخلاق الإسلامية كفيل بتحقيق أكبر قدر ممكن من السعادة للفرد والجماعة

أكد الشيخ أحمد ترك، أحد علماء الأزهر الشريف، على رؤية الكاتب والمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “نظرية الدولة وفق التشريع الإلهي”، موضحا، أن للأخلاق مكانة رفيعة في الإسلام، فالإسلام يقوم على أربعة أصول وهما الإيمان، والأخلاق، والعبادات، والمعاملات، كما تم ذكر الأخلاق عدة مرات في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة، وهذا دليل على أهمية الاخلاق في حياتنا، وما تعكسه من أثر على الفرد والمجتمع، فهي تقوم بثقل شخصية الفرد، وتحقق السعادة في الدنيا والاخرة، وتبث الطمأنينة في الأفراد والمجتمع، وتزيد من التفاهم بين الناس وتعمق الروابط وتنشر المودة بينهم .

وأضاف الشيخ احمد ترك ، أن الإسلام دعا الى حسن الخلق وما له من أجرا ثقيلا في الميزان، و قال – صلى الله عليه وسلم-: (ما من شيءِ أثقلَ في الميزان مِن حُسن الخُلق). وقال ايضا الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم-: (إن المؤمنَ لَيُدركُ بحُسن خلقه درجةَ الصائمِ القائم) أي أنه جعل حسن الخلق كأجر العبادات الأساسية، موضحا ،إن حسن الأخلاق يبعث الطمأنينة في حياة الفرد، وفي حياة المجتمع، وبدون الاستقامة والثبات على الحق لا يصل المسلم إلى الغاية، وكلما انتشرت الأخلاق في هذه الحياة انتشر الخير والأمن والأمان الفردي والاجتماعي، وتنتشر أيضا الثقة المتبادلة والألفة والمحبة بين الناس.

وأشار العالم الأزهري ،إلى أن سعادة الإنسان تكون على قدر امتثال المسلم بتعاليم الإسلام في سلوكه وأخلاقه،فالسعادة تكون في الإيمان بالله تعالى والعمل الصالح، حيث إن الالتزام بقواعد الأخلاق الإسلامية كفيل بتحقيق أكبر قدر ممكن من السعادة للفرد والجماعة، فأسس الأخلاق الإسلامية لم تهمل أي جانب من جوانب الحياة لتحقيق سعادة الفرد الذي يمارس فضائل الأخلاق ويجتنب رذائلها، كما أنها تعمل على تحقيق سعادة المجتمع من خلال تقوية أواصر المحبة والتعاون التي تنتج بين أفراد المجتمع نتيجة التعامل الخلوق فيما بينهم.

وأوضح الشيخ أحمد ترك، أنه كلما غابت الأخلاق عن الحياة انتشر الشر وزادت العداوة والتناحر من أجل المناصب، ومن أجل المادة والشهوات .

وإلى نص مقال المفكر العربي علي محمد الشرفاء “نظرية الدولة وفق التشريع الإلهي” :

تعتمد نظرية الدولة وفق التشريع الإلهي في القرآن الكريم على منهج: “إذا صلح الفرد صلح المجتمع”، مما يعني أن الله سبحانه وتعالي اقتضت حكمته البدء بتربية النشء على تعليمهم بأهمية تطبيق المنهاج الإلهي الذي يؤسس لديهم قيم الأخلاق القرآنية وصفات المؤمنين التي ذكرها القرآن في آيات الذكر الحكيم، ليصحح لدى الأفراد سلوكياتهم كي تتوافق مع الاخلاق السامية ، كما وصف الله سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بقوله عز وجل: “وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ”، كما وصف الله سبحانه وتعالي الرسول الكريم بالرحمة في قوله عز وجل: “وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ”.. صدق الله العظيم .

وإذا نجح القادة في وضع المنهاج الإلهي للأخلاق الإنسانية في المعاملات والعلاقات الاجتماعية، ومراعاة كل فرد بتطبيق مبادئ المنهاج الإلهي في سلوكياته وممارساته في علاقاته الاجتماعية في كل موقع أثناء الدراسة وأثناء العمل وخلال تنفيذ مسؤولياته الوظيفية وعلاقاته الأسرية، متمسكاً في معاملاته في حياته في مختلف المواقع والوظائف بالرحمة والعدل والإحسان والمساواة واحترام حقوق الإنسان والتسامح والعفو والمغفرة لكل غير مقصود ومعاملة الناس جميعاً بالحسنى والتعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان والابتعاد عن الظلم بكل أشكاله، وحمل الأمانة بكل إخلاص وصدق، والابتعاد عن الظن السيئ، وإعطاء الحقوق لأصحاب الحق.

تلك بعض الأخلاق القرآنية وصفات المؤمنين التي تجمع الناس على قلب واحد وتعتصم بكتاب الله المبين، ولو نجحت المجتمعات في إعادة صياغة شخصية المسلم وسلوكه وفق المنهاج الإلهي لأصبحت أعظم أمة متقدمة تقود الإنسانية كلها لتعمير المدينة الفاضلة، ومن أولئك الذين نشأوا وتدربوا على المنهاج الإلهي تتكون المجتمعات والشعوب والدول، وعندما يتمتع القادة بتلك الصفات، تصبح الشعوب الإسلامية في مصاف الشعوب المتقدمة والنامية، تتحقق فيها الرحمة والعدل والاستقرار، ويعيش الناس معًا إخوةً متحابين ومتعاونين وكلهم ينتمون إلى مجتمع متماسك يشد بعضه بعضًا، وتتخذ الدول الإسلامية دستورها معتمدًا على القيم القرآنية المذكور بعضها أعلاه، فلا فِرق متناحرة، ولا أحزاب متصارعة.

فالكل يعمل وِفق منظومة الأخلاق القرآنية، حيث تأتي الأخلاق في مقدمة العبادات، والله جعل العبادات وسيلة الوصول إلى الأخلاق الحميدة، فيكون المجتمع في معاملات أفراده يتبعون دستورًا واحدًا أساسه القرآن الكريم.

لذلك فشلت محاولات تأسيس أنظمة الحكم منذ وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، لأن من خلفه لم يدركوا حكمة العبادات ويؤمنوا بالتشريعات الإلهية ، سواء تشريع العبادات وحكمتها، وتشريع المحرمات لتحصين المسلم من الوقوع في الذنوب والمعاصي، وتطبيق تشريع النواهي، واتباع المنهاج الإلهي في سلوكياتهم، ففشلوا في إنشاء مجتمعات تربت أفرادها على التشريعات الإلهية حتى يومنا هذا .

وقد استطاع أولياء الشيطان أن يخدعوا المسلمين بروايات مزورة على الرسول الكريم ، مما جعلهم يهجرون الدستور الإلهي، وتاهوا بين الروايات المزورة التي فرقتهم شيعًا وأحزابًا، يقتل بعضهم بعضًا للمصالح الدنيوية والصراع على السلطة، نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وضلوا الطريق المستقيم فتكالبت عليهم الأمم فاحتلت أوطانهم، ونهبت ثرواتهم، واستباحت سيادتهم، وشردوا الكثير من السكان يهيمون في الأرض يبحثون عن ملجأ آمن، كل ذلك لأنهم انصرفوا عن خارطة طريق الهدى التي رسمها الله لهم لتحقق لهم الأمن والاستقرار والعزة والمتعة والسلام .

للأسف فشل المسلمون الأوائل في تكوين نظام حكم يعتمد على قيم الرحمة والعدالة والحرية واحترام حقوق الإنسان، كما أمرهم الله بعد أن دخلوا في دين الإسلام باتباع كتابه كما خاطبهم بقوله عز وجل في محكم تنزيله : ” ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ ” .

خالفوا أمر الله واتبعوا أولياء الشيطآن، وأسقطوا شعلة النور التي تضيئ لهم طريق الحياة الطيبة الآمنة والمستقرة والعادلة، ومازالوا غارقين في ظلام دامس، فضاعوا وغرقوا في مختلف المشاكل والأزمات نتيجة لتخليهم عن كتاب ربهم الذي لو اتبعوا شرعة الله ومنهاجه لخرجوا من الظلمات إلى النور .

إن الفرد هو اللبنة الأولى لتكوين المجتمع، واذا تمت تربية الأفراد وفق المنهاج الإلهي الأخلاقي والقيم النبيلة، يستطيع المجتمع أن يؤسس بهم مجتمع الرحمة والعدالة، ويخرج منهم قادة متفانون في خدمة أوطانهم دون استعلاء ولا مِنَّة أو تكبُّر، ويشترك الجميع في رسم خارطة المستقبل لهم ولأجياله بواسطة التشاور والمصارحة التي تستهدف بناء وطن يحقق التكافل بين كافة المواطنين، مما يحقق مصلحة الجميع، ويكون المشرفون على خطة المستقبل في التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية أكثر حرصًا وأمانةً وانفتاحًا مع القادة في إبداء الرأي الأمين بكل الوضوح دون خوف أو إرهاب، مما يتيح أن يتشاور الجميع بكل المصداقية في تحقيق آمال المجتمع في الحرية والعدالة والمساواة، ويشعر جميع المعنيين بإدارة سياسة التنمية بالأمانة أمام الله قبل أن تكون أمام القائد، وأن يكون الحوار بينهم فيما يتعلق بمستقبل المجتمع دون نفاق أو خوف، فكلهم أعضاء في فريق متساوي المسؤولية لتحقيق أمنيات المجتمع .

ومثال، إذا اختار المزارع البذرة الممتازة لمزرعته ومراعاتها بمكافحة الحشرات وتأمين الأسمدة الجيدة، ينتج من ذلك أن تكون الزراعات على أعلى مستوى من الجودة، وتكون محصلة الحصاد من حيث النوع والكم والتميز قد تحقق بالفوز في العوائد المالية، ويكون نجاح الموسم الزراعي قد حقق أهدافه .

ذلك مثل على تربية الفرد تربية صالحة لتكون محصلة الجهد في الرعاية والعناية بالفرد في المجتمع تعطي نتائج إيجابية تحقق خطط التنمية وترتقي بمستوى المعيشة من حيث الطمأنينة والسكينة والاستقرار والتقدم والازدهار، ويكون مستقبل الأجيال في أيدي أمينة تعمل بكل الأمانة والإخلاص، تحقق ضمان استمرارية التطور لمصلحة المجتمع، وتؤمِّن حقوق الأجيال القادمة دون أن ترهقها بالديون المستحقة، والاعتماد على النفس، ووضع خطط بعدم الاحتياج للقروض، لترفع عن كاهل المجتمع أن يكون مدينًا لقوى الشر التي تستغل تلك الديون لخلخلة الاستقرار لدى المجتمعات الإنسانية لابتزازاها، وتضطر لرهن ثرواتها أو لمصادرتها بعد ذلك، ولن يتم تحصين المجتمعات من أخطار الديون إلا إذا كانت القرارات الاقتصادية والمالية مبنية على دراسات عميقة منعت الدولة من الاضطرار للاقتراض، وكل ذلك أساسه الثقة المتبادلة والشعور بقدسية المسؤولية تجاه المجتمعات التي أوكلت بعض من مواطنيها قيادات ركب التقدم، ووضع السياسات الاقتصادية وِفق حاجة المجتمع، وأن لا يسمح بالاستبداد في الرأي لأي من القيادات السياسية.

وختاماً .. فإن الله عز وجل يدعو الجميع للتعاون على البر والتقوى، وإذا لم يتحقق التعاون الذي أمر الله به المسلم تحدث الكوارث والأزمات ويختل النظام في المجتمع، وقد تنهار الدولة وتكون عُرضة للفساد والبغي والطغيان، وتختفي من الخارطة كما اختفت في الماضي دولًا كثيرة ضاعت معالمها، وقيمت حدودها وأصبحت أثرًا بعد عين .. اللهم بلغت اللهم فاشهد .

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى